أي ما قدّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ، ثمّ طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به ، بل ما عالمناهم إلّا بما علمناهم وما علمناهم إلّابما هم عليه ، فإن كان ظلماً فهم الظالمون ولذلك قال :
« وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »
« 1 » .
وفي الحديث : ( من وجد خيراً فليحمد اللَّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّانفسه ) « 2 » .
فإن قلت : فما فائدة قوله سبحانه :
« وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ »
« 3 » ؟
قلنا : « لو » حرف امتناع لامتناع ، فما شاء إلّاما هو الأمر عليه . ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه في حكم دليل العقل ، وأي الحكمين المعقولين وقع فهو الذي عليه الممكن في حال ثبوته ، فمشيئته أحديّة التعلّق وهي نسبة تابعة للعلم والعلم نسبة تابعة للمعلوم والمعلوم أنت وأحوالك ، فعدم المشيّة معلّل بعدم إعطاء أعيانهم هداية الجميع لتفاوت استعداداتهم وعدم قبول بعضها للهداية . وذلك لأنّ الاختيار في حقّ الحقّ تعارضه وحدانيّة المشيّة ، فنسبته إلى الحقّ من حيث ما هو الممكن عليه لا من حيث ما هو الحقّ عليه ، قال تعالى :
« وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي »
« 4 » . وقال :
« أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ »
« 5 » . وقال :
« ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ »
« 6 » ، فهذا هو الذي يليق بجناب الحقّ والذي يرجع إلى الكون
« وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها »
« 7 » فما شاء ؛ فإنّ الممكن قابل للهداية والضلال من حيث ما هو قابل ، فهو موضع الانقسام . وفي نفس الأمر ليس للحقّ فيه إلّا أمر واحد « 8 » .
هامش
( 1 ) - البقرة : 57 .
( 2 ) - صحيح مسلم ، ج 8 ، ص 17 .
( 3 ) - النحل : 9 .
( 4 ) - السجدة : 13 .
( 5 ) - الزمر : 19 .
( 6 ) - ق : 29 .
( 7 ) - السجدة : 13 .
( 8 ) - ربّما يقال : إنّ سرّ القدر والعلم به ما خفي إلّالشدّة ظهوره ؛ لأنّ كلّ ذي بصر وبصيرة يشاهد أنّ وجود الأشياء صادر من اللَّه في كلّ آن بحسب القوابل كإفاضة الصور الإنسانيّة على النطفة الإنسانيّة ، والصور الفرسيّة على النطفة الفرسيّة . وهذا أظهر شيء في الوجود ، وكما تترتّب إفاضة الصور على الأشياء بالاستعداد ، كذلك تترتّب إفاضة لوازمها على قابليّة تلك الصور . وهذا أيضاً بيّن عند العقل . « منه دام ظلّه »