لهم ، ولا يظلم الناس شيئاً
« وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »
« 1 » ) « 2 » .
[ 37 ]
كلمة : بها يتبيّن أنّ الوجود كلّه خير وأنّ الشرّ غير موجود إلّابالعرض
قال أهل الحكمة والمعرفة : الوجود كلّه خير ، والشرّ لا ذات له ؛ لأنّه لو كان له ذات فلا يخلو إمّا أن يكون شرّاً لنفسه أو لغيره .
والأوّل باطل ؛ لأنّ معنى كون الشيء شرّاً لشيء أن يكون معدماً له أو لبعض كمالاته ليس إلّا والشيء لا يقتضي عدمه وإلّا لما وجد ، وكذا لا يقتضي عدم كمال له . كيف وجميع الأشياء طالبة لكمالاتها لا مقتضية لعدمها ، مع أنّه لو اقتضى أحدهما لكان الشرّ ذلك العدم لا نفسه .
وكذا الثاني ؛ لأنّ كونه شرّاً لغيره إمّا لأنّه يعدم ذلك الغير أو يعدم بعض كمالاته ، فليس الشرّ إلّا عدم ذلك الشيء أو عدم كماله ، لا نفس الأمر الوجودي المعدم . فالبرد المفسد للثمار مثلًا ليس شرّاً في نفسه من حيث إنّه كيفيّة مّا وبالقياس إلى سببه الموجب له ، بل هو كمال من الكمالات .
وإنّما هو شرّ بالقياس إلى الثمار لإفساده أمزجتها ، فالشرّ بالذات هو فقدان الثمار كمالاتها اللائقة بها ، والبرد إنّما صار شرّاً بالعرض لاقتضائه ذلك .
وكذا الظلم والزنا مثلًا ليسا من حيث هما أمران يصدران عن قوّتين كالغضبيّة والشهويّة مثلًا بشرّ ، بل هما من تلك الحيثيّة كمالان لتينك القوّتين ، إنّما يكونان شرّاً بالقياس إلى المظلوم أو إلى السياسة المدنيّة أو إلى النفس الناطقة الضعيفة عن ضبط قوّتيه الحيوانيّتين ، فالشرّ بالذات هو فقدان أحد تلك الأشياء كماله . وإنّما أطلق الشرّ على أسبابه بالمجاز لتأديته إلى ذلك .
وكذلك القول في الأخلاق التي هي مباديها . وعلى هذا القياس المؤلمات ، فإنّها ليست بشرور من حيث إنّها أمور خاصّة ولا من حيث وجوداتها في أنفسها أو صدورها عن مبدئها . إنّما هي شرور بالإضافة إلى المتألّم الفاقد لاتّصال عضو من شأنه أن يتّصل مثلًا ، فهذه الوجودات ليست في أنفسها ومن حيث هي وجودات بشرور . إنّما هي شرور بالقياس إلى الأشياء العادمة كمالاتها لا لذواتها ، بل لكونها مؤدّية إلى تلك الأعدام ، فشريّتها المجازيّة أيضاً إنّما هي بالإضافة إلى أشخاص معيّنة دون ما لا ينافيها وهو ظاهر .
وأمّا الخيرات فقد تكون حقيقيّة وقد تكون إضافيّة ، فالشرّ إمّا عدم ذات أو عدم كمال الذات .
هامش
( 1 ) - يونس : 44 .
( 2 ) - التوحيد للصدوق رحمه الله ، ص 403 ، ح 9 .