أن يفتى بأحد الأقوال علي سبيل البتّ - كما عرفت سابقاً - فهو إنّما يفتى علي الاضطرار ، لأنّه «
فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ
» ( « 1 » ) . فيقول للمستفتى : فيه روايتان وأنت مخيّر في العمل بأيّهما شئت ، أو لك أن تفعل كذا مقتصراً علي إحدي الروايتين ، أو الأولي أن تعمل بكذا ، أو الاحتياط يقتضى ذلك ، أو كذا فهمتُ من الجمع بين الأدلّة ؛ إلي غير ذلك ممّا يفعله أكثر أصحابنا في أكثر فتاويهم ، فيقولون : علي الأظهر ، أو الأقوي ، أو الأحوط ، أو الأشهر ، أو نحو ذلك .
وبالجملة ، يفتى علي سبيل الاحتمال ( « 2 » ) بما هو الأرجح بزعمه ، بناءً علي أصوله المأخوذة من المحقّق المعصوم ( ع ) ، بشرط أن يكون ذلك بعد تحصيله للمعارف المشار إليها ، وزيادة هي أن يكون عارفاً بكلّ ما يتعلّق بتلك الواقعة من الأخبار وبكلّ ما يتعلّق به حكم التراجيح عند التعارض ، كالعلم بالناسخ والمنسوخ ، والخاصّ والعامّ ، والمقيّد والمطلق ، والمبيّن والمجمل ، والأفقه والأعدل من الراويين ، إلي غير ذلك .
وأن يكون ذا فهم مستقيم ليس فيه اعوجاج ، وصاحب طبع سليم لا يصدر منه لجاج ، وهو المعبّر عنه عند أصحابنا ب - « القوّة القدسيّة » وهى العمدة في هذا الباب ، وبها يتمكّن من ردّ الفروع إلي أصولها واستنباطها منها ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده علي وفق حكمته ومراده ، ولكثرة المجاهدة والممارسة لأهلها مدخل عظيم في تحصيلها ، قال الله تعالى : «
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
» ( « 3 » ) .
هامش
( 1 ) . المائدة : 3 .
( 2 ) . في أ : الاحتياط .
( 3 ) . العنكبوت : 69 .