تُلوى إليه الأعناق ، صنّف في جميع علوم الإسلام ، وكان القدوة في كلّ ذلك والإمام « 1 » .
وقد عرض الشيخ الطوسي الاعتراض وأجاب عنه ، وهذا نصّ ما ذكره :
فإن قيل : أليس في أصحابكم من قال : « إنّ الحسين عليه السلام كان يعلم ما ينتهي إليه أمره ، وأنّه يُقتل ويخذله من راسله وكاتبه ، وإنّما تعبّد بالجهاد والصبر على القتل » ، أيجوز ذلك عندكم ، أم لا ؟ !
وكذلك قالوا في أمير المؤمنين عليه السلام : « إنّه كان يعلم أنّه مقتولٌ » ، والأخبار عنه مستفيضةٌ به ، وأنّه كان يقول : « ما يمنعُ أشقاها أن يخضبَ هذه من هذا » ، ويومئ إلى لحيته ورأسه ، وأنّه كان يقول تلك الليلة - وقد خرج وصحن الإوزُّ في وجهه - :
« إنّهنّ صوائحُ تتبعها نوائحُ » .
قالوا : « وإنّما أُمر بالصبر على ذلك » ، فهل ذلك جائزٌ عندكم ؟ !
قيل : اختلف أصحابُنا في ذلك :
فمنهم من أجاز ذلك « 2 » وقال : لا يمتنع أن يتعبّد بالصبر على مثل ذلك ؛ لأنّ ما وقعمن القتل - وإن كان ممّن فعله قبيحاً - فالصبر عليه حسنٌ ، والثواب عليه جزيلٌ . بل ، ربّما كان أكثر ، فإنّ مع العلم بحصول القتل - لا محالة - الصبر أشقُّ منه إذا جوّز الظفر وبلوغ الغرض .
ومنهم من قال : إنّ ذلك لا يجوز ؛ لأنّ دفع الضرر عن النفس واجبٌ عقلًا وشرعاً ، ولا يجوز أن يتعبّد بالصبر على القبيح ، وإنّما يتعبّد بالصبر على الحسن ، ولا خلاف أنّ ما وقع من القتل كان قبيحاً ، بل من أقبح القبيح .
وتأوّل هذا القائل ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من الأخبار الدالّة على علمه بقتله ، بأن قال : كان يعلم ذلك على سبيل الجملة ، ولم يعلم بالوقت بعينه ، وكذلك علم
هامش
( 1 ) . رجال السيّد بحر العلوم : ج 3 ص 227 - 228 .
( 2 ) . علّق محقّق تلخيص الشافي : يقصد بذلك الشيخين المفيد والكليني قدّس اللَّه سرّهما ، وعلى ذلك جرى كثير منعلمائنا المتأخّرين قدّس اللَّه أسرارهم ، كالعلّامة الحلّي ، والمجلسي ، والشهيد ، وغيرهم .
وقد عقد الكليني في أُصول الكافي باباً خاصّاً بذلك سمّاه : « باب أنّ الأئمّة عليهم السلام يعلمون متى يموتون » ، واستعرض فيه جملة من الروايات عن الأئمّة في إثبات ذلك .