وكان مدار هذا البحث دراسة النوادر والغرائب المختارة من روضة الكافي للكليني لمجرّد التنبيه على أهمّيته اللغويّة ، في أمثلة قليلة تناسب هذا المختصر ، من المفردات والتراكيب النادرة والغريبة الكثيرة التي احتواها الجزء الثامن ، الجزء الذي عرض النصوص المتنوّعة .
ولابُدّ من الاعتذار عن إدراك المطلوب في مثل هذه البحوث ؛ إذ غلب دافع الحرص على المشاركة ضيق الوقت ، فيما قصر عن الاستيفاء وتمام التحسين ، واللَّه تعالى نسأل القبول والعفو والعافية .
« وَبَثَقا عَلَينا بَثقاً في الإسلامِ لا يُسكَرُ أبَداً »
عن أبي جعفر الباقر عليه السلام :
وبَثَقا علينا بثقاً في الإسلام لا يُسكَرُ أبداً حتّى يقوم قائمنا ، أو يتكلّم متكلّمنا « 1 » .
في البثق معنى الحبس قبل التدقّق ، وفي السكَر الحبس والمنع .
وقد أظهر اللغويون المعاني المادّية للمفردتين ، في مثل قولهم : بثق السيل الموضع ؛ بمعنى خرَقَه وشقّه وفجّره وكسَرَ شطّه ، وانبثق : انفجر ؛ إذا اندرأ ماؤه من غير أن يُشعر به .
وكسرك شطّ النهر لينبثق الماء ، وقد بثقته بثقاً ؛ إذا أكّدت انبثاقه .
وسَكرُ النهرِ سدّه ، والسَّكرُ : السدّ والحبس « 2 » ، ومنه قوله تعالى :
« سُكِّرَتْ أَبْصارُنا »
« 3 » ؛ أي حُبست وسُدّت عن النظر من الحيرة .
كأنّ الباثقين في نصّ الإمام عليه السلام قد حبسوا الأمر في صدورهما كحبس السدّ الماء ، إلى أن جاء زمن البثق والكسر والانفجار ، بعد التحمّل وضيق الاحتفاظ وإخفاء البرم .
هامش
( 1 ) . الكافي للكليني : ج 8 ص 716 .
( 2 ) . انظر : مقاييس اللغة : ج 1 ص 197 وج 3 ص 89 ؛ تاج العروس : ج 12 ص 65 - 67 وج 25 ص 32 .
( 3 ) . الحجر : 15 .