المقدّم ، وهذا يتوفّر دائماً ، ولا يخلّ بالسمة الفنّية إطلاقاً ، ونجد قصصاً أُخر تعرض من حلقة متأخّرة نسبياً ، فيوسف تبدأ قصّته صبيّاً ، فمن هذه الحلقة يرى الرؤيا تؤثّر في مستقبله جميعاً « 1 » .
وقصص القرآن الكريم قصص جادّ ، ومساق للعبرة والموعظة ، وليس فيها مجال للتسلية ، وعناصر القوّة في القصص القرآني مستمدّة من واقعية الموضوع وصدقه ودقّة عرضه ، والعناية بإبراز الأحداث ذات الشأن في موضوع القصّة ، دون التعرّض للجزئيات التي يشير إليها واقع الحال ، وتدّل عليها دلالات ما قبلها وما بعدها من صور « 2 » .
وكان في قصّة يوسف توافق في الختام من نوع خاصّ يتّفق مع القصّة في الابتداء ، فقد بدأت القصّة برؤيا يوسف فختمت هذه الرؤيا ، وسجود إخوته له وأبويه ، ثمّ بالمشهد الأخير : يوسف ينفض يديه من كلّ شيء « 3 » ويتوجّه إلى ربّه بهذا الدعاء الخالص المنيب :
« رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ »
« 4 » .
ولقد كان القصص المألوف في الحياة العربية قبل القرآن قصصاً خيالياً خرافياً ، يُساق للّهو ، ويزجي هذه الحياة الجافية القاسية ، إلّاالأوهام والخيالات ، مركّباً تنتقل بهم اللحظات إلى عالم الأماني والأحلام ، ثمّ يصحون بعدها كما يصحو النائم من حلمٍ لا يمسك منه بشيء ، هكذا كان القصص العربي قبل القرآن ، لا يستدعي العقل ولا يتّجه إليه ، إلّاإذا كان كلّه تقريباً حديثاً جارياً على ألسنة الحيوان أو الجنّ ، وهذا من شأنه أن يدعو المرء إلى أن يلقاه في عقله من عقل ، حتّى يمكن أن يستمع إليه ، وتقبل
هامش
( 1 ) . المصدر السابق : 120 - 126 .
( 2 ) . انظر : إعجاز القرآن لعبد الكريم الخطيب : ج 2 ص 323 - 324 .
( 3 ) . انظر : التصوير الفنّي في القرآن : ص 137 .
( 4 ) . يوسف : 101 .