تعالى لا يمكن لأيّ عينٍ أن تبصره وتراه ؛ لأنّه لا يُحدّ ولايُشخّص عياناً من أيّ إنسانٍ مهما بلغت درجته ، ومهما علا شأنه عنده سبحانه ، على حين أنّ قراءتنا إلى ما أورده الكليني عن الإمام الصادق عليه السلام - في نطاق منهج تفسير القرآن بالقرآن - تقودنا إلى أنّ هذه الدلالة التبادرية ليست هي الدلالة المطلوبة البتّة ، بل إنّ الأمر أبعد من ذلك ، وإنّ الدلالة المرادة أقصى من أن نتصوّرها ، حيث نقل الكليني :
عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن أبي نجران ، عن عبد اللَّه بن سنان ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في قوله :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
، قال : إحاطة الوهم ، ألَا ترى إلى قوله :
« قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ »
« 1 » ، ليس يعني بصر العيون
« فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ »
« 2 » ، ليس يعني من البصر بعينه
« وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها »
« 3 » ، ليس يعني عمى العيون ، إنّما عنى إحاطة الوهم ، كما يقال : فلان بصير بالشِعر ، وفلان بصير بالفقه ، وفلان بصير بالدراهم ، وفلان بصير بالثياب ، اللَّه أعظم من أن يُرى بالعين « 4 » .
فالإمام عليه السلام كشف في هذه النصّ الروائي أنّ المراد بدلالة الأبصار ليس البصر العيني الحسّي ، بل المبتغى هو البصر الذهني ، وهذا جلي من استدلاله بالنصوص الثلاثة من آية الأنعام ، فجميع ما أورده الإمام من استشهاد ، يدلّ على أنّ المراد من لفظة « الأبصار » هو البصر الذهني ، فالبصيرة كما يرى المفسّرون « نور القلب الذي به يستبصر ، كما أنّ البصر نور العين الذي به تبصر » « 5 » .
من هنا تكون « البصائر جمع بصيرة ، وهي للنفس كالبصر للبدن ، سُمّيت بها لدلالة ؛ لأنّها تجلّى لها الحقّ وتبصرها به » « 6 » . ولهذا دلّ الإمام عليها بقوله : « إحاطة الوهم » ؛
هامش
( 1 ) . الأنعام : 104 .
( 2 ) . الأنعام : 104 .
( 3 ) . الأنعام : 104 .
( 4 ) . الكافي : ج 1 ص 98 .
( 5 ) . الكشّاف للزمخشري : ج 1 ص 373 ؛ وانظر : روح المعاني للآلوسي : ج 7 ص 248 .
( 6 ) . تفسير البيضاوي : ج 1 ص 439 .