فدى لك يا بغداد كلّ قبيلة * من الأرض حتى خطتي ودياريا
فقد طفت في شرق البلاد وغربها * وسيّرت رحلي بينها وركابيا
فلم أر فيها مثل بغداد منزلًا * ولم أر فيها مثل دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرقّ شمائلًا * وأعذب ألفاظاً وأحلى معانيا « 1 »
وفي كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني الذي عاش ومات ببغداد ( سنة / 356 ه ) ، وكذلك في معجم الأدباء لياقوت الحموي المزيد لمن أراد الاطّلاع .
كما شهد النثر نقلة جديدة في تاريخه في هذا العصر ببغداد ، وهو ما يعرف في الدراسات الأدبية المعاصرة بالنثر الفني ، قال الدكتور زكي مبارك يصف هذا العصر من تلك الجهة ، هو « أوّل عصر في اللغة العربية أراد فيه الكتاب أن يستبدوا بمعاني الشعراء وألفاظهم وتعابيرهم ، وأن يروِّضوا القلم الطليق على التحليق في جميع الأجواء » « 2 » .
ومن خصائص هذا العصر ذات الارتباط الوثيق بالحركة الثقافية والفكرية ببغداد ، هو التطوّر الكبير الذي شهده الخطّ العربي ، إذ كانت الكتابة قبل هذا العصر بالخطّ الكوفي ، وهو خطّ جميل ، لكنّه معقّد ، صعب ، يكتنفه الغموض ، وأمّا في هذا العصر فقد استُبدِل بخطّ النسخ الرشيق السهل الواضح ، ويرجع الفضل في هذا إلى معاصر ثقة الإسلام الكليني ابن مقلة البغدادي ( ت / 328 ه ) الذي اشتهر بحسن الكتابة وجودة الخطّ ، حتى ضرب المثل بجودة خطّه .
فمن ذلك ما قاله الشيخ الطوسي ( ت / 460 ه ) في قبح تقديم المفضول على الفاضل :
« ألا ترى أنّه يقبح من ملك حكيم أن يجعل رئيساً في الخطّ على مثل ابن مقلة ؟ » « 3 » .
هامش
( 1 ) . تاريخ بغداد : ج 1 ص 75 .
( 2 ) . النثر الفني في القرن الرابع الهجري / الدكتور زكي مبارك : ج 1 ص 33 .
( 3 ) . الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد : ج 1 ص 191 .