خلف المعتصم أخاه المأمون سنة 210 ه « 1 » لقد بدأ الانحلال والفوضى يتسرّب في أركان السلطة العباسية منذ خلافته ، إذ استخدم الأتراك في إدارة الشؤون الإدارية .
يصف أحدهم شيئاً من قصر الواثق فيقول : « لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم ، حتى أفضيتُ إلى دار مفروشة الصّحن ، مُلبَسة الحيطان بالوشى المنسوج بالذّهب ، ثمّ أفضيتُ إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة بمثل ذلك ، وإذا الواثق في صدره على سرير مرصّع بالجوهر ، وعليه ثياب منسوجة بالذّهب ، وإلى جانبه فريدة جاريته ، عليها مثلُ ثيابه وفي حجرها عود » . « 2 »
ولو قارنّا الحياة في العراق في العصرين الأموي والعباسي لرأينا أنّها كانت تعيش في العصر الأموي حياةً جادّةً في المقارنة بسائر الأقطار كالشّام والحجاز ، لكنّ الأوضاع تغيّرت في العصر العباسي ، فأصبحت تتمتّع بحياةٍ لاهيةٍ ، والسبب في ذلك يعود - كما يرى أحمد أمين - إلى تدفّق أموالٍ هائلة إليها إثر الفتوحات وتعاقب أمم مختلفة ومدنيات متتابعة عليها . « 3 »
والملاحظة الهامة هي أنّ النّاس في العراق وعاصمة الخلافة لم يكن كلّهم يعيشون في رغدٍ ، بل نجد اختلافاً كبيراً في الحياة بين الطبقات ، وبينما كان الخلفاء وحواشيهم يتمتّعون بنعيم الحياة ، كانت عامّة الشّعب يعيشون في الفقر والجوع والبؤس والشقاء . كان أهل الورع والتّقوى يكرهون بغداد بما شاع فيها من الفجور والظلم والعسف ، وكان يتمّثل بعضهم بالأبيات التالية : « 4 »
قُلْ لِمَنْ أظْهَرَ التّنَسُّك في النّا * سِ وأمْسَى يُعَدّ فِي الزّهادِ
الْزَمِ الثَّغْرَ والتّواضُعَ فيهِ * ليسَ بَغدادُ مَنْزِلَ العُبّادِ « 5 »
هامش
( 1 ) - انظر : ابن تغري بردي ، جمال الدين أبي المحاسن . النجوم الزاهرة ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، مصر ، مؤسسة العامة للتأليف والترجمة والطباعة ، 1972 م ، ج - 2 ص 250 - 251 .
( 2 ) - أبو الفرج الأصفهاني ، الأغاني ، ج - 3 ص 184 .
( 3 ) - انظر : أمين ، أحمد . ضحى الإسلام ، ج - 1 ص 143 .
( 4 ) - الحموي ، ياقوت . معجم البلدان ، ج - 2 ص 464 .
( 5 ) - الثغر : الفرجة في الجبل ونحوه ، والموضع يخاف هجومُ العدوّ منه .