يجب أن يكون الشاعر معهم لطيفاً حتى لا يتعرض للأذى فبدا الشاعر في نقده وسيطاً ومصلحاً .
وفي هذه الأبيات يعلن الشاعر موقفه الصريح فهو يقف في صفّ آل النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم ويتمثّل وجهة نظر الشيعة في الإمام المنتظر ، ويصوّر الخليفة الذي يدّعي بأنّه المهدي المنتظر في صورة شخص عادّي ، وأمّا المهدي فهو أفضل من ذلك وأعلى . والحميري بهذين البيتين يوسّع انفجاره على السلطة العباسية ، كما أنّهما يمثّلان عصر التحدّي الذي عاش الحميري نفسه واقع اضطهاده .
كان العباسيون يحاولون منذ البداية استمالة النّاس بعيداً عن الدعوة الشيعة العلوية ، ولمّا كان الشيعة تعتقد بوجود الإمام المنتظر ، استغلّ العباسيون هذه العقيدة وأوهموا أنّ أبا جعفر المنصور هو المهدي المنتظر ، ونرى بعض الشعراء يصفونه في مدائحهم بلقب المهدي . كان أبو دلامة واحداً من هؤلاء الشعراء يخاطب أبا مسلم الخراساني قائلًا : « 1 »
أفِي دَوْلَةِ المَهدِيِّ حَاوَلْتَ غَدْرَةً * ألَا إنَّ أهْلَ الغَدْرِ آبَاؤُك الكرْدُ
وأحياناً نرى ازدواجية في صوره والمراد منها أن يمدح الشاعر الخليفة في مكانٍ ثمّ يهجوه في مكان آخر . إنّ الشاعر لم ينفك على ولاء أهل البيت عليهم السّلام ، لكن الظروف السياسية دفعه إلى مدح الخليفة المنصور على سبيل التقية بقوله : « 2 »
إنَّ الإلهَ الّذِي لاشئَ يُشبِهُهُ * أعطاكمُ المُلك لِلدُّنيا وَلِلدّينِ
أعطاكم اللهُ مُلكاً لا زَوَالَ لَهُ * حَتّى يُقادُ إليكم صاحب الصّينِ
وَصاحِبُ الهِندِ مَأخوذاً بِرُمَّتِهِ * وَصاحِبُ التُّرك محبوساً على هونِ
ثمّ إنّه يشدد النكير على خلفاء العباسيين لأنّهم تسمّوا بالهادي والمهدي وهو يرى على ما
هامش
( 1 ) - الحميري ، الديوان ، ص 132 .
( 2 ) - السابق ، ص 210 .