متلثّم يستأذن ولا يخبر باسمه ويحلف ألّا يحسر اللّثام عن وجهه حتّى يراك . قال : هذا مولاي سديف يدخل . فلمّا نظر إلي أبي العباس وبنو أميّة حوله أحدر اللّثام عن وجهه وأنشأ يقول : « 1 »
لايَغُرَّنَّك ما تَرى مِنْ أُناسٍ * إنَّ تَحتَ الضُّلُوعِ دَاءً دَويّا « 2 »
فَضَعِ السّيْفَ وَرْفَعِ السَّوْطَ حتّى * لاتَرى فَوْقَ ظَهْرِها أمَويّا
هذان البيتان كانا من الأسباب الرئيسة التي أدّت إلى أن يفتك أبو العباس السفاح بهم فتكاً ذريعاً بحيث لم يبقَ من جموعهم أحد . والملاحظة الهامة هي أنّ سديف قد تعرّض للعباسيين أيّام خلافة المنصور ، كأنّه لم يدرك حقيقة العباسيين ذلك الوقت ، لكن سرعان ما انكشفت الحقيقة للشاعر فبدأ بهجاءهم وخاصّةً المنصور وقال أشعاراً في تأييد محمد النفس الزكيّة و « أصدر ] المنصور [ أمره إلى عبد الصمد بن علي حاكم المدينة في دفنه حيّاً » . « 3 »
ونراه قد أعلن سخطه على الحكم الأموي بأدبه الفياض الذي هو من أروع ما قيل في أدب الثورة على الأمويين ، إذ يقول : « 4 »
أمسَتْ أميّةُ قَدْ أظَلَّ فناؤُها * يا قرّةَ العَينِ المُداوِي دَاؤُها
أمسَتْ أميّةُ قَدْ تَصَدّعَ شعبَها * شعبَ الضَّلالِ وَشَتَّتَ أهواءها
ولقَدْ سُرِرْتُ لِعَبْدِ شَمْسٍ أنّها * أمْسَتْ تُساقُ مُباحَةٌ أحماءُها « 5 »
فَلأنّ أميّةَ عَبدَ شَمسٍ وَدَّعَتْ * لَقَد اضْمَحَلَّ عَن البِلادِ بلاؤُها
زَعَمَتْ أميّةُ وَهى غَيرُ حَليمَةٍ * أنْ لَنْ يَزُولَ وَلنْ يهدّ بِناؤُها « 6 »
هَيهاتَ قَدْ سَفِهَتْ أمَيَّةُ دِينَها * حتّى أذلَّ صغارَها كبَراؤُها
هامش
( 1 ) - انظر : أبو الفرج الأصفهاني ، الأغاني ، ج - 4 ص 136 .
( 2 ) - داءٌ دويّ : داءٌ شديد .
( 3 ) - ابن عبد ربه ، ج - 5 ص 72 - 73 .
( 4 ) - المرزباني ، أبو عبد الله محمد بن عمران ، أخبار شعراء الشيعة ، الطبعة 2 ، تقديم وتحقيق وتعليق : الدكتور الشيخ هادي الأميني ، شركة الكتبي للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، 19993 م ، ص 82 .
( 5 ) - أحماء : حما المرأة أبو زوجها ومن كان من قِبَله من الرجال . وحما الرجل : أبو امرأته ومن كان من قِبَله من الرجال .
( 6 ) - هدَّ البناء - هدّاً وهدوداً : هدمه بشدّة صوت .