العباسية ، نرى الشيعة قاموا بشكلٍ آخر من الصراع لعلّه أهمّ من شكله الأول وهو الهجاء السياسي ونقد الحكومة . لقد عرفت الشيعة بالتمرد على الظلم والطغيان ، ومقاومة حكام الجور ، وكان موقفها مع خلفاء الأمويين والعباسيين متّسماً بالشدّة والصرامة ، وعدم مشروعية خلافتهم ، الأمر الذي أوجب نقمتهم عليهم ومقابلتهم بجميع ألوان القسوة والعذاب .
هذا الشكل من المعارضة حمل لواءه شعراء الشيعة إذ قاموا بدور أساسي في توعية الشعب إزاء ما حدث في المجتمع ، وما يحدث من اغتصاب الخلافة من أيدي أصحابها الحقيقيين ، وبذلك فتحوا جبهةً جديدةً « ضدّ السلاطين الذين أغدقوا أموالًا طائلة على حفنةٍ من كبار الشعراء وصغارهم ليضفوا شرعيّةً على سلطتهم الدنيوية التي تعجُّ بمظاهر التّرف والبذخ واللّهو من جانب ، وبالقتل والتمثيل وإحضار الرؤوس وبالسجن والتعذيب والإرهاب من جانب آخر » . « 1 »
اتّخذ الصراع الفكري بين الخلفاء العباسيين والشيعة صوراً كثيرة ، ويمكن أن نعدّ الرسائل « 2 » المتبادلة بين الخليفة المنصور ومحمد النفس الزكية في بداية الدولة العباسية قبل أن يعلن ثورته ضدّهم أحد أشكاله . كما أننا نرى بعض الخلفاء العباسيين كانوا يعقدون مجالس المناظرة يحضر فيها بعض زعماء الشيعة خاصة في عهد هارون الرشيد والمأمون .
ومن صور الصراع الفكري الأخرى بين العباسيين والشيعة يمكن أن نذكر الاستعانة بالشعراء في الدفاع عن آراء كلّ فريق ، وهجاء الفريق الآخر ، وكان لكلّ من الفريقين شعراؤهم وكان الشعر من أمضى الأسلحة في ذلك العصر ، ومن أبرز وسائل الإعلام ومخاطبة العقول والنفوس وتوعية الآخرين .
أصبح الأدب الشيعي مرآة انعكست عليها صور هذه المعارضة الفكرية إذ علت أصوات شعرائهم منذ بداية العصر العباسي الأوّل تحتجّ على ضياع أمور الناس وهوان أحوالهم ، وزوال
هامش
( 1 ) - البستاني ، محمود . تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي ، الطبعة 1 ، مؤسسة الطبع والنشر للآستانة الرضوية المقدسة ، مشهد - إيران ، 1413 ه . ق ، ص 439 .
( 2 ) - انظر نصوص هذه الرسائل في تاريخ الطبري 6 : 195 .