كتابها الكريم ، الذي سمّته : الأربعين الهاشمية ولو كان أمر التسمية إلي لسمّيتُه الأربعين الفاطمية . فوجدتُه عقداً منظّماً من غوالي الفرائد ، وسرحت طرفي في شرح تُجني منه ثمار الفوائد ، وهو مصنّف يشهد كلّ منصفٍ أنّه حاو لأصناف العلوم ، ومجدّد من الآثار المعاهدَ والرسوم . من بحر المتقارب :
تزين معانيه ألفاظه * وألفاظه زائنات المعاني
فكم كنز خفي من الأسرار أظهرته ، ومشكل من الأخبار فسّرته ، وحديث معضلٍ أزاحت عنه الإعضال ، وأصابت الصواب إذا اختلفت فيه الأقوال ، ولا غرو ؛ فأهل البيت أدري بما فيه ، وأعرف بظاهره وخافيه .
قوام الكتاب أنّها أمّ الكتاب ، الذي لو صدر من رحلةٍ يخترق الآفاق ، ويجوب البلاد من الشام والعراق ، ويختلف إلي مدارس العلم ويجالس العلماء لحقّ له التقريظ والإطراء ، فكيف بمن أرخت سترها ، ولم تُبارح خدرها ! ويحقّ أن تفتخر بها ربّات الخمر والحجال ، علي لابسي العمائم من الرجال ، وتباهي بمن لم تفارق جنسها - وهي خُماسيةٌ [ الأقلام و ] المزابر ، ولم تألف غير الكتب والدفاتر ، صرفت في اقتناء العلوم ثمينَ أوقاتِها ، إذا صَرَفنَهُ في اللعب باللعبة أترابها ولداتها . ولكنّها - وفّقها الله - لم تذكر السَنَدَ الذي تَمُتُّ به إلي الثِقات الأَثْبات ، وسدنة علوم الأئمّة الهُداة ، والأسانيدُ إذا لم تُعْرض علي أهلها لا يعرفُ صحيحُها من معتلّها . من البسيط :
لا يعرِف الشوقَ إلا مَن يكابدُهُ * ولا الأسانيد إلا من يعانيها
فإذا وقع لمثل صاحب الإشارات غلطان واضِحان وهو الناقدُ الخبيرُ فما ظنُّك بمن . . .
وكان من اهتمام السلف بنقد الأسانيد ، والجدّ في أمرها ما هو معروف عند أهل العلم . ولأمر ما كانوا [ يضربون آباطَ الإبِل و ] يشدّون الرحال ، ويطوفُون البلادَ ، لتحصيل العالي من الأسناد ؛ لأنّه أبعد من الفساد . [ وربّما قلبُوا بعضَ الأسانيد ، أو ركّبوا بعضَها من بعض ، لامتحان مدّعي العلم ، فإذا خفي عليه لم يلتفتوا إليه ] .
وقد قالوا : الإسناد من الدين ، وما حودثت البدع بمثل الأسناد ، ولولاها لنقل من شاء