وطلب السلطان ألجايتو إحضار كبار علماء مذهب أهل البيت عليهم السّلام فحضر من بينهم العلّامة المصنّف وابنه فخر المحقّقين اللذين استقبلهما السلطان واحتفى بهما ، فعقدت المناظرات بين العلّامة وعلماء المذاهب السنّية ، وكان للعلّامة الحجج الدامغة والأدلّة الواضحة في إثبات أحقّيّة مذهب أهل البيت عليهم السّلام ، خصوصا وأنّ العلّامة درس المذاهب السنّية وحضر لدى علمائها وخبر أسلوب الجدل والمحاجة معهم .
إلّا أنّ العلّامة لم يقصد بكلّ ذلك الانتقام والتشفّي من الآخرين جزاءا لما فعلوه بالشيعة ، بل كان هدفه خدمة الحقيقة وإبانتها للناس ، بعد أن عانى الشيعة من الاضطهاد الفكري والنفسي والقتل والتنكيل على يد خلفاء بني أميّة ثمّ على يد من هو شرّ من بني أميّة ، وهم بنو العبّاس ، الذين قال الشاعر فيهم :
تا لله ما فعلت أميّة فيهم * معشار ما فعلت بنو العبّاس « 1 »
ويمكن اعتبار هذه الحقبة الزمنية بمثابة متنفّس للشيعة ، حيث تمكّنوا من إظهار عقيدتهم والمجاهرة بها ، وقام علماؤهم بمناظرة علماء المذاهب الأخرى ، وانكشفت حقائق مهمّة عن حقيقة مذهب الشيعة ، الذي أقلّ ما كان يقال عن أتباعه : إنّهم روافض ؟ !
وكان للعلّامة المصنّف دورا كبيرا في حفظ الإسلام وحفظ أرواح المسلمين على اختلاف مذاهبهم ، بل استطاع بحنكته أن يستهوي السلطان ألجايتو ويجعل منه داعية يبشّر بالإسلام وبتعاليم آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وعندما أنشأ السلطان أو لجايتو مدينة السلطانية واتّخذها عاصمة لملكه ، بني إلى جنبها مدرسة استقطبت عددا كبيرا من طلبة العلوم ، وكان العلّامة على رأس تلك المدرسة .
ثمّ أنشأ السلطان المدرسة المتحرّكة التي تنتقل معه في أسفاره في أرجاء مملكته ، فكان العلّامة يصحبه في تلك الأسفار ، ويلتقي بصنوف الناس ويثقّفهم على تعاليم الإسلام ، ويلقي دروسه في شتّى العلوم العقلية والنقلية .
الحلّة والعلّامة
الحلّة : علم لعدّة مواضع - كما في معجم ياقوت الحموي « 2 » - فهي في الوقت الحاضر مركز
هامش
( 1 ) . انظر « عصر الإمام الصادق عليه السّلام » : 120 .
( 2 ) . « معجم البلدان » 2 : 294 .