المقصد الثالث : في المسائل الدوريّة
وفيه فصول :
[ الفصل ] الأوّل : في المقدّمات
مقدّمة : لفظة الدور تستعمل بمعنيين :
أحدهما : المحال الذي لا يتصوّر تحقّقه ، وهو الذي يتوقّف فيه كلّ واحد من الشيئين على صاحبه ، فلا يوجد إلّا بعد وجوده ، بأن يكون كلّ واحد منهما علّة لصاحبه ، أو له مدخل في علّته باعتبار واحد ، والضرورة قاضية ببطلان هذا ، سواء توقّف وجود كلّ واحد منهما في الخارج أو في الذهن على الآخر .
الثاني : الممكن ، وهو الذي يتوقّف وجود كلّ واحد منهما على مصاحبة الآخر ، كالمتضايفين ، وهو ممكن الوقوع في الذهن والخارج .
إذا عرفت هذا ، فقول الفقهاء في بعض مسائل الوصايا وغيرها : إنّه يدخلها الدور ، إنّما يعنون به الثاني ، لا الأوّل ؛ لاستحالته ، وامتناع تحقّق دخوله في شيء من الأشياء ذهنا وعينا .
ولنضرب لذلك مثالا :
فنقول : إذا خلّف ولدا لا غير ، وأوصى لشخص بمثل نصيب ولده ، هذه مسألة قد دخلها الدور ؛ لأنّا لا نعلم قدر الوصيّة إلّا إذا علمنا قدر نصيب الولد ، فإنّ إعطاء الموصى له مثل النصيب لا يمكن إلّا بعد العلم بالنصيب وقدره ، ولكن النصيب لا يعلم قدره إلّا إذا عرفنا قدر الوصيّة ؛ لأنّ الوصيّة مقدّمة على الميراث ، ولا يمكن أن يعرف كلّ واحد منهما بالآخر ؛