تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأحكام السلطانية والولايات الدينية — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥

الباب الخامس : في الولاية على حروب المصالح

وَمَا عَدَا جِهَادَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قِتَالٍ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : قِتَالُ أَهْلِ الرِّدَّةِ . وَقِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ ، وَقِتَالُ الْمُحَارِبِينَ . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ فَهُوَ أَنْ يَرْتَدَّ قَوْمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِمْ سَوَاءٌ وُلِدُوا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمُوا عَنْ كُفْرٍ ، فَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ فِي حُكْمِ الرِّدَّةِ سَوَاءٌ ، فَإِذَا ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ إلَى أَيِّ دِينٍ انْتَقَلُوا إلَيْهِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة ، أَوْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالزَّنْدَقَةِ وَالْوَثَنِيَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَرَّ مَنْ ارْتَدَّ إلَيْهِ ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحَقِّ يُوجِبُ الْتِزَامَ أَحْكَامِهِ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : * ( مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) * . فَإِذَا كَانُوا مِمَّنْ وَجَبَ قَتْلُهُمْ بِمَا ارْتَدُّوا عَنْهُ مِنْ دِينِ الْحَقِّ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَدْيَانِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ شُذَّاذًا وَأَفْرَادًا لَمْ يَتَحَيَّزُوا بِدَارٍ يَتَمَيَّزُونَ بِهَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى قِتَالِهِمْ لِدُخُولِهِمْ تَحْتَ الْقُدْرَةِ وَيُكْشَفُ عَنْ سَبَبِ رِدَّتِهِمْ ، فَإِنْ ذَكَرُوا شُبْهَةً فِي الدِّينِ أُوضِحَتْ لَهُمْ بِالْحِجَجِ وَالْأَدِلَّةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ وَأُخِذُوا بِالتَّوْبَةِ مِمَّا دَخَلُوا فِيهِ مِنْ الْبَاطِلِ ، فَإِنْ تَابُوا قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ مِنْ كُلِّ رِدَّةٍ وَعَادُوا إلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ كَمَا كَانُوا . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَقْبَلُ تَوْبَةَ مَنْ ارْتَدَّ إلَى مَا يُسْتَرُ بِهِ مِنْ الزَّنْدَقَةِ إلَّا أَنْ يَبْتَدِئَهَا مِنْ نَفْسِهِ ، وَأَقْبَلُ تَوْبَةَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ ، وَعَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ قَضَاءُ مَا تَرَكُوهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي زَمَانِ الرِّدَّةِ لِاعْتِرَافِهِمْ بِوُجُوبِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ كَمَنْ أَسْلَمَ عَنْ كُفْرٍ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ قَدْ حَجَّ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ الرِّدَّةِ لَمْ يَبْطُلْ حَجُّهُ بِهَا وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَدْ بَطَلَ بِالرِّدَّةِ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ بَعْدَ التَّوْبَةِ ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى رِدَّتِهِ وَلَمْ يَتُبْ وَجَبَ قَتْلُهُ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا أَقْتُلُ الْمَرْأَةَ بِالرِّدَّةِ : وَقَدْ * ( قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّدَّةِ امْرَأَةً كَانَتْ تُكْنَى أُمَّ رُومَانَ ) * وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمُرْتَدِّ عَلَى رِدَّتِهِ بِجِزْيَةٍ وَلَا عَهْدٍ ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ ، وَلَا تُنْكَحُ مِنْهُ امْرَأَةٌ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَتْلِهِمْ هَلْ يُعَجَّلُ فِي الْحَالِ أَوْ يُؤَجَّلُونَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا تَعْجِيلُ قَتْلِهِمْ فِي الْحَالِ لِئَلَّا يُؤَخَّرَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقٌّ . وَالثَّانِي يُنْظَرُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَعَلَّهُمْ يَسْتَدْرِكُونَهُ
الأحكام السلطانية والولايات الدينية — صفحة 55 | علي بن محمد البغدادي الماوردي