تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأحكام السلطانية والولايات الدينية — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وَتَصِيرُ بِلَادُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا دَارَ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي مَعْرَكَةِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ أَحْرَزُوا بِإِسْلَامِهِمْ مَا مَلَكُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَرْضٍ وَمَالٍ فَإِنْ ظَهَرَ الْأَمِيرُ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَ مَنْ أَسْلَمَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَغْنَمُ مَا لَا يُنْقَلُ مِنْ أَرْضٍ وَدَارٍ ، وَلَا يَغْنَمُ مَا يُنْقَلُ مِنْ مَالٍ وَمَتَاعٍ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ . وَقَدْ أَسْلَمَ فِي حِصَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ ثَعْلَبَةُ وَأُسَيْدٌ ابْنَا شُعْبَةَ الْيَهُودِيَّانِ فَأَحْرَزَ إسْلَامُهُمَا أَمْوَالَهُمَا وَيَكُونُ إسْلَامُهُمْ إسْلَامًا لِصِغَارِ أَوْلَادِهِمْ وَلِكُلِّ حَمْلٍ كَانَ لَهُمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا أَسْلَمَ كَافِرٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ إسْلَامًا لِصِغَارِ وَلَدِهِ ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ إسْلَامًا لِصِغَارِ وَلَدِهِ وَلَا يَكُونُ إسْلَامًا لِلْحَمْلِ وَتَكُونُ زَوْجَتُهُ وَالْحَمْلُ فَيْئًا ، وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَى فِيهَا أَرْضًا وَمَتَاعًا لَمْ يُمْلَكْ عَلَيْهِ إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا وَكَانَ مُشْتَرِيهَا أَحَقَّ بِهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكُونُ مَا مَلَكَهُ مِنْ أَرْضٍ فَيْئًا . وَالْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُظْفِرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ مَعَ مَقَامِهِمْ عَلَى شِرْكِهِمْ فَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَيُقْتَلُ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ فِي الْأَسْرِ مِنْهُمْ . وَيَكُونُ فِي الْأَسْرَى مُخَيَّرًا فِي اسْتِعْمَالِ الْأَصْلَحِ مِنْ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَقْتُلَهُمْ صَبْرًا بِضَرْبِ الْعُنُقِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ وَيُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الرِّقِّ مِنْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ عَلَى مَالٍ أَوْ أَسْرَى . وَالرَّابِعُ : أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ وَيَعْفُوَ عَنْهُمْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : * ( إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ) * . وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ ضَرْبُ رِقَابِهِمْ صَبْرًا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ قِتَالُهُمْ بِالسِّلَاحِ وَالتَّدْبِيرِ حَتَّى يُفْضِيَ إلَى ضَرْبِ رِقَابِهِمْ فِي الْمَعْرَكَةِ ، ثُمَّ قَالَ : * ( حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ) * يَعْنِي بِالْإِثْخَانِ : الطَّعْنَ وَبِشَدِّ الْوَثَاقِ : الْأَسْرَ . * ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) * . وَفِي الْمَنِّ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْعَفْوُ وَالْإِطْلَاقُ كَمَا مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ بَعْدَ أَسْرِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ الْعِتْقُ بَعْدَ الرِّقِّ ، وَهَذَا قَوْلُ مُقَاتِلٍ ، وَأَمَّا الْفِدَاءُ فَفِيهِ هَهُنَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْمُفَادَاةُ عَلَى مَالٍ يُؤْخَذُ أَوْ أَسِيرٍ يُطْلَقُ كَمَا فَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَى بَدْرٍ عَلَى مَالٍ وَفَادَى فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ رَجُلٌ بِرَجُلَيْنِ وَالثَّانِي : أَنَّهُ الْبَيْعُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ . * ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) * .
الأحكام السلطانية والولايات الدينية — صفحة 50 | علي بن محمد البغدادي الماوردي