وأما المسكين فقد اختلف فيه ، وسنذكره في موضعه من آية الصدقات . وفي اتفاق
الجميع على أن ابن السبيل واليتيم إنما يستحقان حقهما من الخمس بالحاجة دون الاسم
دلالة على أن المقصد بالخمس صرفه إلى المساكين .
فإن قيل : إذا كان المعنى هو الفقر فلا فائدة في ذكر ذوي القربى . قيل له : فيه
أعظم الفوائد ، وهو أن آل النبي صلى الله عليه وسلم لما حرمت عليهم الصدقة كان جائزا أن يظن ظان أن
الخمس محرم عليهم كتحريمها إذ كان سبيله صرفه إلى الفقراء ، فأبان الله تعالى بتسميتهم
في الآية عن جواز إعطائهم من الخمس بالفقر ، ويلزم هذا السائل أن يعطي اليتامى وابن
السبيل بالاسم دون الحاجة عن قضيته بأن لو كان مستحقا بالفقر ما كان لتسميته ابن
السبيل واليتيم معنى وهما إنما يستحقانه بالفقر .
قوله تعالى : ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ) . قيل إن الفئة هي الجماعة
المنقطعة عن غيرها ، وأصله من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته ، والمراد بالفئة ههنا
جماعة من الكفار ، فأمرهم بالثبات لهم وقتالهم ، وهو في معنى قوله تعالى : ( إذا لقيتم
الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ) الآية ، ومعناه مرتب على ما ذكر في هذه من جواز
التحرف للقتال أو الانحياز إلى فئة من المسلمين ليقاتل معهم ، ومرتب أيضا على ما ذكر
بعد هذا من قوله تعالى : ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة
صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ) ، فإنما هم مأمورون
بالثبات لهم إذا كان العدو مثليهم ، فإن كانوا ثلاثة أضعافهم فجائز لهم الانحياز إلى فئة
من المسلمين يقاتلون معهم .
وقوله تعالى : ( واذكروا الله كثيرا ) يحتمل وجهين ، أحدهما : ذكر الله تعالى
باللسان ، والآخر : الذكر بالقلب ، وذلك على وجهين ، أحدهما : ذكر ثواب الصبر على
الثبات لجهاد أعداء الله المشركين وذكر عقاب الفرار ، والثاني : ذكر دلائله ونعمه على
عباده وما يستحقه عليهم من القيام بفرضه في جهاد أعدائه . وضروب هذه الأذكار كلها
تعين على الصبر والثبات ويستدعى بها النصر من الله والجرأة على العدو والاستهانة بهم ،
وجائز أن يكون المراد بالآية جميع الأذكار لشمول الاسم لجميعها ، وقد روي عن
النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق معنى الآية ، ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا بشر بن موسى
قال : حدثنا خلاد بن يحيى قال : حدثنا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد عن
عبد الله بن زيد عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تمنوا لقاء العدو واسألوا
الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله كثيرا وإن أجلبوا أو ضجوا فعليكم بالصمت " .
أحكام القرآن — صفحة 86
مساهمون: الجصاص
ص٨٦