للنبي صلى الله عليه وسلم من الأنفال إلا ما كان شرطه قبل إحراز الغنيمة ، نحو أن يقول : من أصاب شيئا
فهو له ، ومن قتل قتيلا فله سلبه ، لأن ذلك لم ينتظمه قوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم
من شئ ) إذ لم يحصل ذلك غنيمة لغير آخذه أو قاتله .
وقد اختلف في النفل بعد إحراز الغنيمة .
ذكر الخلاف فيه
قال أصحابنا والثوري : " لا نفل بعد إحراز الغنيمة إنما النفل أن يقول : من قتل
قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له " . وقال الأوزاعي : " في رسول الله أسوة حسنة ،
كان ينفل في البدء الربع وفي الرجعة الثلث " . وقال مالك والشافعي : " يجوز أن ينفل بعد
إحراز الغنيمة على وجه الاجتهاد " . قال الشيخ : ولا خلاف في جواز النفل قبل إحراز
الغنيمة ، نحو أن يقول : من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله سلبه ، وقد روى
حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل في بدأته الربع وفي رجعته الثلث بعد الخمس ،
فأما التنفيل في البدأة فقد ذكرنا اتفاق الفقهاء عليه ، وأما قوله : في الرجعة الثلث ، فإنه
يحتمل وجهين ، أحدهما : ما يصيب السرية في الرجعة بأن يقول لهم : ما أصبتم من شيء
فلكم الثلث بعد الخمس ، ومعلوم أن ذلك بلفظ عموم في سائر الغنائم وإنما هي
حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شئ بعينه لم يبين كيفيته ، وجائز أن يكون معناه ما ذكرناه من
قوله للسرية في الرجعة وجعل لهم في الرجعة أكثر مما جعله في البدأة ، لأن في الرجعة
يحتاج إلى حفظ الغنائم وإحرازها ويكون من حواليهم الكفار متأهبين مستعدين للقتال
لانتشار الخبر بوقوع الجيش إلى أرضهم . والوجه الآخر : أنه جائز أن يكون ذلك بعد
إحراز الغنيمة ، وكان ذلك في الوقت الذي كانت الغنيمة كلها للنبي صلى الله عليه وسلم فجعلها لمن شاء
منهم ، وذلك منسوخ بما ذكرنا .
فإن قيل : ذكر في حديث حبيب بن مسلمة الثلث بعد الخمس ، فهذا يدل على أن
ذلك كان بعد قوله : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) . قيل له : لا دلالة فيه
على ما ذكرت ، لأنه لم يذكر أنه الخمس المستحق لأهله من جملة الغنيمة بقوله تعالى :
( فأن لله خمسه ) ، وجائز أن يكون ذلك على خمس من الغنيمة لا فرق بينه وبين الثلث
والنصف . ولما احتمل حديث حبيب بن مسلمة ما وصفنا لم يجز الاعتراض به على ظاهر
قوله تعالى : ( واعملوا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) إذ كان قوله ذلك يقتضي
إيجاب الأربعة الأخماس للغانمين اقتضاءه إيجاب الخمس لأهله المذكورين ، فمتى
أحرزت الغنيمة فقد ثبت حق الجميع فيها بظاهر الآية ، فغير جائز أن يجعل شيء منها
أحكام القرآن — صفحة 67
مساهمون: الجصاص
ص٦٧