هذا لمن أردن ضرره وتلفه وأما من يزعمن أنهن يردن نفعه فينفثن عليه ويوهمن أنهن
ينفعن بذلك ، وربما يسقينه بعض الأدوية النافعة فينفق للعليل خفة الوجع ، فالرقية المنهي
عنها هي رقية الجاهلية لما تضمنته من الشرك والكفر ، وأما الرقية بالقرآن وبذكر الله تعالى
فإنها جائزة وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وندب إليها ، وكذلك قال أصحابنا في التبرك بالرقية
بذكر الله . وإنما أمر الله تعالى بالاستعاذة من شر النفاثات في العقد لأن من صدق بأنهن
ينفعن بذلك كان ذلك ضررا عليه في الدين من حيث يعتقد جواز نفعها وضررها بتلك
الرقية ، ومن جهة أخرى شرهن فيما يحتلن الله من سقي السموم والأدوية الضارة .
وقوله تعالى : ( ومن شر حاسد إذا حسد ) ، حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا
الحسن بن أبي الربيع قال : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى : ( ومن
شر حاسد إذا حسد ) قال : يقول من شر عينيه ونفسه .
قال أبو بكر : قد روت عائشة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تسترقي من العين " . وروى
ابن عباس وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العين حق " : والأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بصحة
العين متظاهرة ، حدثنا ابن قانع قال : حدثنا القاسم بن زكريا قال : حدثنا سويد بن سعيد
قال : حدثنا أبو إبراهيم السقاء عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " العين حق فلو كان شئ يسبق القدر لسبقته العين فإذا استغسلتم
فاغسلوا " .
قال أبو بكر : زعم بعض الناس أن ضرر العين إنما هو من جهة شئ ينفصل من
العائن فيتصل بالمعين ، وهذا هو شر وجهل ، وإنما العين في الشئ المستحسن عند
العائن ، فيتفق في كثير من الأوقات ضرر يقع بالمعين ، ويشبه أن يكون الله تعالى إنما
يفعل ذلك عند إعجاب الانسان بما يراه تذكيرا له لئلا يركن إلى الدنيا ولا يعجب بشئ
منها ، وهو نحو ما روي أن العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن تسبق فجاء أعرابي على
قعود له فسابق بها فسبقها ، فشق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : " حق على الله
أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه " وكذلك أمر العائن عند إعجابه بما يراه أن يذكر الله
وقدرته فيرجع إليه ويتوكل عليه ، قال الله تعالى : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله
لا قوة إلا بالله ) [ الكهف : 39 ] ، فأخبر بهلاك جنته عند إعجابه بها بقوله ، فقال
( ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا ) [ الكهف : 35 ] إلى قوله
تعالى : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) [ الكهف : 39 ] أي
لتبقى عليك نعم الله تعالى إلى وقت وفاتك . وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا إسماعيل بن
أحكام القرآن — صفحة 649
مساهمون: الجصاص
ص٦٤٩