بشئ هي كذبة " . وقال الأوزاعي : " هو على ما نوى ، وإن لم ينو شيئا فهو يمين " . وقال
عثمان البتي : " هو بمنزلة الظهار " . وقال الشافعي : " ليس بطلاق حتى ينوي فإذا نوى فهو
طلاق على ما أراد من عدده ، وإن أراد تحريمها بلا طلاق فعليه كفارة يمين وليس
بمول " .
قال أبو بكر : قد جعل أصحابنا التحريم يمينا إذا لم تقارنه نية الطلاق إذا حرم
امرأته ، فيكون بمنزلة قوله لها : " والله لا أقربك " فيكون موليا ، وأما إذا حرم غير امرأته
من المأكول والمشروب وغيرهما فإنه بمنزلة قوله : " والله لا آكل منه ووالله لا أشرب منه "
ونحو ذلك ، لقوله تعالى : ( لم تحرم ما أحل الله لك ) ثم قال : ( قد فرض الله لكم تحلة
أيمانكم ) * ، فجعل التحريم يمينا ، فصارت اليمين في مضمون لفظ التحريم ومقتضاه في
حكم الشرع ، فإذا أطلق كان محمولا على اليمين إلا أن ينوي غيرها فيكون ما نوى ، فإذا
حرم امرأته وأراد الطلاق كان طلاقا لاحتمال اللفظ له ، وكل لفظ يحتمل الطلاق ويحتمل
غيره فإنه متى أراد به الطلاق كان طلاقا ، والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم لركانة حين طلق
امرأته البتة : " بالله ما أردت إلا واحدة " فتضمن ذلك معنيين ، أحدهما : أن كل لفظ
يحتمل الثلاث ويحتمل غيرها فإنه متى أراد الثلاث كان ثلاثا ، لولا ذلك لم يستحلفه
عليها . والثاني : أنه لم يلزمه الثلاث بوجود اللفظ وجعل القول قوله لاحتمال فيه ، فصار
ذلك أصلا في أن كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره أنا لا نجعله طلاقا إلا بمقارنة الدلالة
لإرادة الطلاق . ومما يدل على أن اللفظ المحتمل للطلاق يجوز إيقاع الطلاق به وإن لم
يكن طلاقا في نفسه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسودة : " اعتدي " ثم راجعها فأوقع الطلاق بقوله :
" اعتدي " لاحتماله له ، ولا نعلم أحدا من السلف منع إيقاع الطلاق بلفظ التحريم ، ومن
قال منهم هو يمين فإنما أراد به عندنا إذا لم تكن له نية الطلاق ولم تقارنه دلالة الحال .
وزعم مالك أن من حرم على نفسه شيئا غير امرأته أنه لا يلزمه بذلك شيء وأن ذلك ليس
بيمين ، وقد ذكرنا ما اقتضى قوله تعالى : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) من
كونه يمينا ، لقوله تعالى : ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) ، وأنه لا يجوز اسقاط
موجب هذا اللفظ من الكون الحرام يمينا برواية من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف أن لا يشرب
العسل ، إذ غير جائز الاعتراض على حكم القرآن بخبر الواحد ، ولأن من روى اليمين
يجوز أن يكون إنما عنى به التحريم وحده إذ كان التحريم يمينا . ويدل من جهة النظر
على أن التحريم يمين أن المحرم للشيء على نفسه قد اقتضى لفظه إيجاب الامتناع منه
كالأشياء المحرمة ، وذل في معنى النذر وقول الله : " لله علي أن لا أفعل ذلك " ، فلما كان
النذر يمينا بالسنة واتفاق الفقهاء وجب أن يكون تحريم الشيء بمنزلة النذر فتجب فيه
كفارة يمين إذا حنث كما تجب في النذر .
أحكام القرآن — صفحة 623
مساهمون: الجصاص
ص٦٢٣