لا يغني من الحق شيئا ) [ النجم : 28 ] ، وقال : ( وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا )
[ الفتح : 12 ] ، فالظن على أربعة أضرب : محظور ومأمور به ومندوب إليه ومباح . فأما
الظن المحظور فهو سوء الظن بالله تعالى . حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا معاذ بن
المثنى ومحمد بن محمد بن حيان التمار قالا : حدثنا محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان
عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاث يقول :
" لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال :
حدثنا أبو سعيد يحيى بن منصور الهروي قال : حدثنا سويد بن نصر قال : حدثنا ابن
المبارك عن هشام بن الغازي عن حبان بن أبي النصر قال : سمعت وائلة بن الأسقع
يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء " . وحدثنا
محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حماد بن
سلمة عن محمد بن واسع عن شتير - يعني ابن نهار - عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" حسن الظن من العبادة " ، وهو مرفوع في حديث نصر بن علي غير مرفوع في حديث
موسى بن إسماعيل . فحسن الظن بالله فرض وسوء الظن به محظور منهي ، عنه وكذلك سوء
الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور مزجور عنه ، وهو من الظن المحظور
المنهي عنه . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن محمد
المروزي قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن
صفية قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا ، فأتيته أزوره ليلا ، فحدثته وقمت فانقلبت ، فقام
معي ليقلبني - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد - فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا
النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " على رسلكما إنها صفية بنت حيي " قالا : سبحان الله
يا رسول الله ! قال : " إن الشيطان يجري من الانسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في
قلوبكما شيئا - أو قال : سوءا " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا معاذ بن المثنى
قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا وهيب قال : حدثنا ابن طاوس عن أبيه عن أبي
هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " . فهذا من الظن
المحظور ، وهو ظنه بالمسلم سوءا من غير سبب يوجبه . وكل ظن فيما له سبيل إلى
معرفته مما تعبد بعلمه فهو محظور ، لأنه لما كان متعبدا تعبد بعلمه ونصب له الدليل عليه
فلم يتبع الدليل وحصل على الظن كان تاركا للمأمور به ، وأما ما لم ينصب له عليه دليل
يوصله إلى العلم به وقد تعبد بتنفيذ الحكم فيه فالاقتصار على غالب الظن وإجراء الحكم
عليه واجب ، وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول وتحري القبلة وتقويم
المستهلكات وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف ، فهذه وما كان من نظائرها
أحكام القرآن — صفحة 539
مساهمون: الجصاص
ص٥٣٩