الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) [ النساء : 34 ] . وفي الآية دليل على أن
للرجل أن يحلف ولا يستثني ، لأن أيوب حلف ولم يستثن . ونظيره من سنة النبي صلى الله عليه وسلم
قوله في قصة الأشعريين حين استحملوه فقال : " والله لا أحملكم ! " ولم يستثن ، ثم
حملهم وقال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر
عن يمينه " . وفيها دليل على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ثم فعل
المحلوف عليه أن عليه الكفارة ، لأنه لو لم تجب كفارة لترك أيوب ما حلف عليه ولم
يحتج إلى أن يضربها بالضغث ، وهو خلاف قول من قال : " لا كفارة عليه إذا فعل ما هو
خير " . وقد روي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها
فليأت الذي هو خير وذلك كفارته " . وفيها دليل على أن التعزير يجاوز به الحد ، لأن في
الخبر أنه حلف أن يضربها مائة فأمره الله تعالى بالوفاء به . إلا أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال : " من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين " . وفيها دليل على أن اليمين إذا كانت
مطلقة فهي على المهلة وليست على الفور ، لأنه معلوم أن أيوب لم يضرب امرأته في فور
صحته . ويدل على أن من حلف على ضرب عبده أنه لا يبر إلا أن يضربه بيده ، لقوله :
( وخذ بيدك ضغثا ) ، إلا أن أصحابنا قالوا فيمن لا يتولى الضرب بيده : " إن أمر غيره
بضربه لا يحنث للعرف " . وفيها دليل على أن الاستثناء لا يصح إلا أن يكون متصلا
باليمين ، لأنه لو صح الاستثناء متراخيا عنها لأمر بالاستثناء ولم يؤمر بالضرب . وفيها
دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى ما يجوز فعله ودفع المكروه بها عن نفسه وعن
غيره ، لأن الله تعالى أمره بضربها بالضغث ليخرج به من اليمين ولا يصل إليها كثير ضرر .
آخر سورة ص .
أحكام القرآن — صفحة 505
مساهمون: الجصاص
ص٥٠٥