عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار "
فأخبر أن الذي في النار من المخطئين هو الذي تقدم على القضاء بجهل .
قوله تعالى : ( إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد ) إلى قوله : ( بالسوق
والأعناق ) . قال مجاهد : صفون الفرس رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر ،
وذاك من عادة الخيل والجياد السراع من الخيل ، يقال : فرس جواد ، إذا جاء بالركض .
قوله تعالى : ( إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ) ، يحتمل وجهين ، أحدهما :
إني أحببت حب الخير الذي ينال بهذا الخيل فشغلت به عن ذكر ربي ، وهو الصلاة التي
كان يفعلها في ذلك الوقت ، ويحتمل : إني أحببت حب الخير ، وهو يريد به الخيل
نفسها ، فسماها خيرا لما ينال بها من الخير بالجهاد في سبيل الله وقتال أعدائه ، ويكون
قوله : ( عن ذكر ربي ) معناه أن ذلك من ذكري لربي وقيامي بحقه في اتخاذ هذا الخيل .
قوله تعالى : ( حتى توارت بالحجاب ) روي عن ابن مسعود : " حتى توارت
الشمس بالحجاب " . قال أبو بكر : وهو كقول لبيد :
حتى إذا ألقت يدا في كافر * وأجن عورات الثغور ظلامها
وكقول حاتم :
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فأضمر النفس في قوله : " حشرجت " . وقال غير ابن مسعود : " حتى توارت الخيل
بالحجاب " .
وقوله تعالى : ( ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) . روي عن ابن عباس
أنه جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبالها . وهذا كما حدثنا محمد بن بكر قال :
حدثنا أبو داود قال : حدثنا هارون بن عبد الله قال : حدثنا هشام بن سعيد الطالقاني قال :
أخبرنا محمد بن المهاجر قال : حدثني عقيل بن شبيب عن أبي وهب الجشمي - وكانت
له صحبة - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأعجازها - أو
قال : أكفالها - وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار " ، فجائز أن يكون سليمان إنما مسح أعرافها
وعراقيبها على نحو ما ندب إليه نبينا صلى الله عليه وسلم وقد روي عن الحسن أنه كشف عراقيبها
وضرب أعناقها وقال : " لا تشغليني عن عبادة ربي مرة أخرى " ، والتأويل الأول أصح ،
والثاني جائز . ومن تأوله على الوجه الثاني يستدل به على إباحة لحوم الخيل ، إذ لم يكن
ليتلفها بلا نفع ، وليس كذلك ، لأنه جائز أن يكون محرم الأكل وتعبد الله بإتلافه ويكون
المنفعة في تنفيذ الأمر دون غيره ، ألا ترى أنه كان جائزا أن يميته الله تعالى ويمنع الناس
أحكام القرآن — صفحة 502
مساهمون: الجصاص
ص٥٠٢