عبد الله بن الزبير في قوله عز وجل : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين )
قال : والله ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة الخلق الحسن " . وروى عطاء عن ابن عمر أنه
قال : سئل رجل النبي صلى الله عليه وسلم : أي المؤمنين أفضل ؟ قال : " أحسنهم خلقا " . وحدثنا
عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا معاذ بن المثنى وسعيد بن محمد الأعرابي قالا : حدثنا
محمد بن كثير قال : حدثنا سفيان الثوري عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن
أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم
بسط الوجه وحسن الخلق " . وروي عن الحسن ومجاهد قالا : " أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقبل
العفو من أخلاق الناس " . والعفو هو التسهيل والتيسير ، فالمعنى استعمال العفو وقبول ما
سهل من أخلاق الناس وترك الاستقصاء عليهم في المعاملات وقبول العذر ونحوه .
وروى عن ابن عباس في قوله تعالى : ( خذ العفو ) قال : " هو العفو من الأموال قبل أن
ينزل فرض الزكاة " ، وكذلك روي عن الضحاك والسدي . وقيل : إن أصل العفو الترك ،
ومنه قوله تعالى : ( فمن عفي له من أخيه شئ ) [ البقرة : 178 ] يعني : ترك له ، والعفو
عن الذنب ترك العقوبة عليه . وقوله تعالى : ( وأمر بالعرف ) قال قتادة وعروة : " العرف
المعروف " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال : حدثنا
سهل بن بكار قال : حدثنا عبد السلام بن الخليل عن عبيدة الهجيمي قال : قال أبو جري
جابر بن سليم : ركبت قعودي ثم انطلقت إلى مكة فطلبته ، فأنخت قعودي بباب
المسجد ، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر ، فقلت : السلام عليك
يا رسول الله ، قال : " وعليك السلام " قلت : إنا معشر أهل البادية قوم فينا الجفاء فعلمني
كلمات ينفعني الله بها ! قال : " أدن " ثلاثا . فدنوت ، فقال : " أعد علي " فأعدت ، قال :
" اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا ، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط ، وأن تفرغ من فضل
دلوك في إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم منه فإن الله
جاعل لك أجرا وعليه وزرا ، ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى " ، قال أبو جري :
فوالذي ذهب بنفسه ما سببت بعده شيئا لا شاة ولا بعيرا . والمعروف هو ما حسن في
العقل فعله ولم يكن منكرا عند ذوي العقول الصحيحة .
قوله تعالى : ( وأعرض عن الجاهلين ) أمر بترك مقابلة الجهالة والسفهاء على
سفههم وصيانة النفس عنهم . وهذا والله أعلم يشبه أن يكون قبل الأمر بالقتال ، لأن
الفرض كان حينئذ على الرسول إبلاغهم وإقامة الحجة عليهم ، وهو مثل قوله : ( فأعرض
عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) [ النجم : 29 ] ، وأما بعد الأمر بالقتال فقد
أحكام القرآن — صفحة 50
مساهمون: الجصاص
ص٥٠