بالمعروف ، وفعل ضده ينافي مصاحبتهما بالمعروف ، ولذلك قال أصحابنا : إن الأب
لا يحبس بدين ابنه ، وروي عن أبي يوسف أنه يحبسه إذ كان متمردا .
وقوله تعالى : ( واتبع سبيل من أناب إلي ) يدل على صحة إجماع المسلمين لأمر
الله تعالى إيانا باتباعهم ، وهو مثل قوله : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) [ النساء : 115 ] .
وقوله تعالى : ( ولا تمش في الأرض مرحا ) ، المرح البطر وإعجاب المرء بنفسه
وازدراء الناس والاستهانة بهم ، فنهى الله عنه إذ لا يفعل ذلك إلا جاهل بنفس وأحواله
وابتداء أمره ومنتهاه ، قال الحسن : أنى لابن آدم الكبر وقد خرج من سبيل البول مرتين .
وقوله تعالى : ( إن الله لا يحب كل مختال فخور ) ، قال مجاهد : هو المتكبر
والفخور الذي يفتخر بنعم الله تعالى على الناس استصغارا لهم ، وذلك مذموم لأنه إنما
يستحق عليه الشكر لله على نعمه لا التوصل بها إلى معاصيه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر
نعم الله أنه " سيد ولد آدم ولا فخر " ، فأخبر أنه إنما ذكرها شكرا لا افتخارا ، على نحو
قوله تعالى : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) [ الضحى : 11 ] .
قوله تعالى : ( واقصد في مشيك ) ، قال يزيد بن أبي حبيب : " هو السرعة " . قال
أبو بكر : يجوز أن يكون تأوله على ذلك لأن المختال في مشيته لا يسرع فيها فسرعة
المشي تنافي الخيلاء والتكبر .
وقوله تعالى : ( واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) فيه أمر
بخفض الصوت لأنه أقرب إلى التواضع ، كقوله تعالى : ( إن الذين يغضون أصواتهم عند
رسول الله ) [ الحجرات : 3 ] ، ورفع الصوت على وجه ابتهار الناس وإظهار الاستخفاف
بهم مذموم ، فأبان عن قبح هذا الفعل وأنه لا فضيلة فيه لأن الحمير ترفع أصواتها وهو
أنكر الأصوات ، قال مجاهد في قوله : ( أنكر الأصوات ) : أقبحها ، كما يقال هذا وجه
منكر ، فذكر الله تعالى ذلك وأدب العباد تزهيدا لهم في رفع الصوت .
وقوله تعالى : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ) ،
مفهوم هذا الخطاب الإخبار بما يعلمه هو دون خلقه وأن أحدا لا يعلمه إلا بإعلامه إياه ،
وفي ذلك دليل على أن حقيقة وجود الحمل غير معلومة عندنا وإن كانت قد يغلب على
الظن وجوده ، وهذا يوجب أن يكون نافي حمل امرأته من نفسه غير قاذف لها ، وقد بينا
ذلك فيما سلف .
قوله تعالى : ( واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده
شيئا ) يدل على أن أحدا لا يستحق عند الله فضيلة بشرف أبيه ولا بنسبه لأنه لم يخصص
أحكام القرآن — صفحة 459
مساهمون: الجصاص
ص٤٥٩