معنى . وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة ولوغ الكلب بقوله : " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه
الكلب أن يغسل سبعا " ، وهو لا يغيره .
فإن قيل : قوله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم ) [ المائدة : 6 ] إلى قوله تعالى : ( فلم
تجدوا ماء ) [ المائدة : 6 ] وقوله تعالى : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا )
[ النساء : 43 ] يدل من وجهين على جواز استعماله وإن كانت فيه نجاسة ، أحدهما :
عموم قوله تعالى : ( حتى تغتسلوا ) [ النساء : 4 ] أن ذلك يقتضي جوازه بماء حلته
النجاسة وبما لم تحله . والوجه الآخر : قوله تعالى : ( فلم تجدوا ماء ) [ المائدة : 6 ] ،
ولا يمتنع أحد من إطلاق القول بأن هذا ماء إذا كانت فيه نجاسة يسيرة لم تغيره ، وهذا
يعارض ما استدللتم به من عموم الآي والأخبار في حظر استعماله ماء خالطته نجاسة .
قيل له : لو تعارض العمومان لكان ما ذكرنا أولى من تضمنه من الحضر ، والإباحة
والحضر متى اجتمعا كان الحكم للحضر . وعلى أن ما ذكرنا من حضر استعمال النجاسة
قاض على ما ذكرت من العموم ، فوجب أن يكون الغسل مأمورا بماء لا نجاسة فيه ، ألا
ترى أنه إذا غيرته كان محظورا وعموم إيجاب الحضر مستعمل فيه دون عموم الأمر
بالغسل ؟ وكما قضى حضره لاستعمال النجاسات على قوله : ( لأنه خالصا سائغا
للشاربين ) [ النحل : 66 ] ، فإن كان ما حله منها يسيرا كذلك واجب أن يقضى على قوله
تعالى : ( فاغسلوا ) [ المائدة : 6 ] وقوله : ( فلم تجدوا ماء ) [ المائدة : 6 ] .
واحتج من أباح ذلك بقوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) ، وقوله :
( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) [ الأنفال : 11 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " هو الطهور
ماؤه والحل ميتته " . وصفه إياه بالتطهير يقتضي تطهير ما لاقاه . فيقال له : معنى قوله :
" طهورا " يعتوره معنيان ، أحدهما : رفع الحدث وإباحة الصلاة به ، والآخر : إزالة
الأنجاس . فأما نجاسة موجودة فيه لم تزلها عن نفسه فكيف يكون مطهرا لها ! وعلى هذا
القول ينبغي أن يكون معنى قوله : " طهورا " أنه يجعل النجاسة غير نجاسة ، وهذا محال
لأن ما حله من أجزاء الدم والخمر وسائر الخبائث لا يخرج من أن يكون أنجاسا ، كما
أنها إذا ظهرت فيه لم يخرج من أن يكون أعيانها نجسة ولم يكن لمجاورة الماء إياها
حكم في تطهيرها .
فإن قيل : إذا كان الماء غالبا فلم يظهر فيه فالحكم للماء ، كما لو وقعت فيه قطرة
من لبن أو غيره من المائعات لم يزل عنه حكم الماء لوجود الغلبة ، ولأن تلك الأجزاء
مغمورة مستهلكة ، فحكم النجاسة إذا حلت الماء حكم سائر المائعات إذا خالطته . قيل
له : هذا خطأ ، لأن المائعات كلها لا يختلف حكمها فيما تخالطها من الأشياء الطاهرة
أحكام القرآن — صفحة 443
مساهمون: الجصاص
ص٤٤٣