الراكد الكثير القائم في النهر والسبخة " وكره الوضوء بالماء بالفلاة إذا كان أقل من قدر
الكر ، وروي نحوه عن علقمة وابن سيرين ، والكر عندهم ثلاثة آلاف رطل ومائتا رطل .
وقال الشافعي : " إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه ، وإن
كان أقل يتنجس بوقوع النجاسة اليسيرة " .
والذي يحتج به لقول أصحابنا قوله تعالى : ( ويحرم عليهم الخبائث ) [ الأعراف :
157 ] ، والنجاسات لا محالة من الخبائث ، وقال : ( إنما حرم عليكم الميتة والدم )
[ البقرة : 173 ] وقال في الخمر : ( رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) [ المائدة : 90 ] .
ومر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال : " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما كان
لا يستبرىء من البول والآخر كان يمشي بالنميمة " ، فحرم الله هذه الأشياء تحريما مبهما
ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء ، فوجب تحريم استعمال كل ما تيقنا فيه
جزءا من النجاسة ، ويكون جهة الحضر من طريق النجاسة أولى من جهة الإباحة من طريق
الماء المباح في الأصل ، لأنه متى اجتمع في شيء جهة الحضر وجهة الإباحة فجهة الحضر
أولى ، ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما فيها مائة جزء وللآخر جزء واحد
أن جهة الحضر فيها أولى من جهة الإباحة وأنه غير جائز لواحد منهما وطؤها ؟ .
فإن قيل : لم غلبت جهة الحضر في النجاسة على جهة الإيجاب في استعمال الماء
الذي قد حلته نجاسة إذا لم تجد ماء غيره ؟ ومعلوم أن استعماله في هذه الحال واجب إذا
لزمه فرض أداء الصلاة ، وإنما اجتمع ههنا جهة الحضر وجهة الإيجاب . قيل له : قولك
إنه قد اجتمع فيه جهة الحضر وجهة الإيجاب خطأ ، لأنه إنما يجب استعمال الماء الذي
لا نجاسة فيه ، فأما ما فيه نجاسة فلم يلزمه استعماله .
فإن قيل : إنما يلزمه اجتناب النجاسة إذا كانت متجردة بنفسها ، فأما إذا كانت
مخالطة للماء فليس عليه اجتنابها . قيل له : عموم ما ذكرنا من الآي والسنن قاض بلزوم
اجتنابها في حالة الانفراد والاختلاط ، ومن ادعى تخصيص شيء منه لم يجز له ذلك إلا
بدلالة أوأيضا فإذا كان واجدا لماء غيره لم تخالطه نجاسة فليس بواجب عليه استعمال
الماء الذي فيه النجاسة ، وأكثر ما فيه عند مخالفنا جواز استعماله على وجه الإباحة ، وما
ذكرناه من لزوم اجتناب النجاسة يوجب الحضر ، والإباحة والحضر متى اجتمعا فالحكم
للحظر على ما بينا ، وإذا صح ذلك وكان واجدا لماء غيره وجب أن يكون ذلك حكمه إذا
لم يجد غيره لوجهين ، أحدهما : لزوم استعمال الآي الحاظرة لاستعمال النجاسات ،
فثبت بذلك أن الحضر قد تناولها في حال اختلاطها به كهو في حال انفرادها ، والثاني : أن
أحدا لم يفرق بين حال وجود ماء غيره وبينه إذا لم يجد غيره ، فإذا صح لنا ذلك في حال
أحكام القرآن — صفحة 441
مساهمون: الجصاص
ص٤٤١