يكونوا يرون الحط واجبا ، ولا يروى عن نظرائهم خلافه ، وما روي عن علي فيه فقد بينا
أنه يدل على أنه رآه ندبا لا إيجابا . ويدل عليه ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا
داود قال : حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثني عبد الصمد قال : حدثنا همام قال : حدثنا
عباس الجريري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أيما عبد كاتب
على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد ، وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا
عشرة دنانير فهو عبد " ، فلو كان الحط واجبا لأسقط عنه بقدره ، وفي ذلك دلالة على أنه
غير مستحق ، والله أعلم .
باب الكتابة الحالة
قال الله تعالى : ( فكاتبوهم قال إن علمتم فيهم خيرا ) فاقتضى ذلك جوازها حالة
ومؤجلة لإطلاقه ذلك من غير شرط الأجل ، والاسم يتناولها في حال التعجيل والتأجيل
كالبيع والإجارة وسائر العقود ، فواجب جوازها حالة لعموم اللفظ .
وقد اختلف الفقهاء في ذلك ، فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد : " تجوز
الكتابة الحالة فإن أداها حين طلبها المولى منه وإلا رد في الرق " . وقال ابن القاسم عن
مالك في رجل قال : كاتبوا عبدي على ألف ولم يضرب لها أجلا : " إنها تنجم على
المكاتب على قدر ما يرى من كتابة مثله وقدر قوته " قال : " فالكتابة عند الناس منجمة
ولا تكون حالة إن أبى ذلك السيد " وقال الليث : " إنما جعل التنجيم على المكاتب رفقا
بالمكاتب ولم يجعل ذلك رفقا بالسيد " . وقال المزني عن الشافعي : " لا تجوز الكتابة
على أقل من نجمين " .
قال أبو بكر : قد ذكرنا دلالة الآية على جوازها حالة ، وأيضا لما كان مال الكتابة
بدلا عن الرقبة كان بمنزلة أثمان الأعيان المبيعة فتجوز عاجلة وآجلة . وأيضا لا يختلفون
في جواز العتق على مال حال فوجب أن تكون الكتابة مثله لأنه يدل على العتق في
الحالين ، إلا أن في أحدهما العتق معلق على شرط الأداء وفي الآخر معجل ، فوجب أن
لا يختلف حكمهما في جوازهما على بدل عاجل .
فإن قيل : العبد لا يملك فيحتاج بعد الكتابة إلى مدة يمكنه الكسب فيها ، فوجب
أن لا تجوز إلا مؤجلة ، إذ كانت تقتضي الأداء ومتى امتنع الأداء لم تصح الكتابة . قيل
له : هذا غلط ، لأن عقد الكتابة يوجب ثبوت المال في ذمته للمولى ويصير بها المكاتب
في يد نفسه ويملك اكتسابه وتصرفه ، وهو بمنزلة سائر الديون الثابتة في الذمم التي يجوز
العقد عليها ، ولو كانت هذه علة صحيحة لوجب أن لا يجوز العتق على مال حال لأنه لم
أحكام القرآن — صفحة 419
مساهمون: الجصاص
ص٤١٩