ابن سيرين عن عبيدة : ( إن علمتم فيهم خيرا ) قال : " إذا صلى " . وعن إبراهيم : وفاء
وصدقا " . وقال مجاهد : " مالا " . وقال الحسن : " صلاحا في الدين " .
قال أبو بكر : الأظهر أنه أراد الصلاح ، فينتظم ذلك الوفاء والصدق وأداء الأمانة ،
لأن المفهوم من كلام الناس إذا قالوا فلان فيه خير إنما يريدون به الصلاح في الدين ، ولو
أراد المال لقال : إن علمتم لهم خيرا ، لأنه إنما يقال لفلان مال ولا يقال فيه مال ، وأيضا
فإن العبد لا مال له ، فلا يجوز أن يتأول عليه . وما روي عن عبيدة " إذا صلى " فلا معنى
له ، لأنه جائز مكاتبة اليهودي والنصراني بالآية وإن لم تكن لهم صلاة .
وقوله تعالى : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) ، اختلف أهل العلم في المكاتب
هل يستحق على مولاه أن يضع عنه شيئا من كتابته ؟ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر
ومحمد ومالك والثوري : " إن وضع عنه شيئا فهو حسن مندوب إليه وإن لم يفعل لم
يجبر عليه " . وقال الشافعي : " هو على الوجوب " . وروي عن ابن سيرين في قوله :
( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) قال : " كان يعجبهم أن يدعوا له طائفة من مكاتبته " .
قال أبو بكر : ظاهر قوله : " كان يعجبهم " أنه أراد به الصحابة ، وكذلك قول إبراهيم :
" كانوا يكرهون " ، وكانوا يقولون : الظاهر من قول التابعي إذا قال ذلك أنه أراد به
الصحابة ، فقول ابن سيرين يدل على أن ذلك كان عند الصحابة على الندب لا على
الإيجاب ، لأنه لا يجوز أن يقال في الإيجاب : " كان يعجبهم " . وروى يونس عن الحسن
وإبراهيم : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) قال : " حث عليه مولاه وغيره " ، وروى
مسلم بن أبي مريم عن غلام عثمان بن عفان قال : " كاتبني عثمان ولم يحط عني شيئا " .
قال أبو بكر : ويحتمل أن يريد بقوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) ما ذكره
في آية الصدقات من قوله : ( وفي الرقاب ) [ التوبة : 60 ] . وقد روى أن رجلا قال
للنبي صلى الله عليه وسلم : علمني عملا يدخلني الجنة ! قال : " أعتق النسمة وفك الرقبة " قال : أليسا
واحدا ؟ قال : " عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها " ، وهذا يدل على
أن قوله : ( وفي الرقاب ) [ التوبة : 60 ] قد اقتضى إعطاء المكاتب ، فاحتمل أن يكون
قوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) دفع الصدقات الواجبات ، وأفاد بذلك جواز
دفع الصدقة إلى المكاتب وإن كان مولاه غنيا . ويدل عليه أنه أمر بإعطائه من مال الله ،
وما أطلق عليه هذه الإضافة فهو ما كان سبيله الصدقة وصرفه في وجوه القرب ، وهذا
يدل على أنه أراد مالا هو ملك لمن أمر بإيتائه وأن سبيله الصدقة وذلك الصدقات الواجبة
في الأموال ، ويدل عليه قوله : ( من مال الله الذي آتاكم ) وهو الذي قد صح ملكه
للمالك وأمر باخراج بعضه ، ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه على عبده والمولى
أحكام القرآن — صفحة 416
مساهمون: الجصاص
ص٤١٦