( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ) [ الطلاق : 1 ] ، فحكم تعالى بطلاق النساء ولم يمنع
ذلك عندك من طلاقها بعد البينونة ما دامت في العدة ، فما أنكرت مثله في اللعان ؟ قيل
له : هذا سؤال ساقط من وجوه ، أحدها : أن الله تعالى حين حكم بوقوع الطلاق على نساء
المطلق لم ينف بذلك وقوعه على من ليست من نسائه بل ما عدا نسائه ، فحكمه موقوف
على الدليل في وقوع طلاقه أو نفيه ، وقد قامت الدلالة على وقوعه في العدة ، وأما اللعان
فإنه مخصوص بالزوجات ولأن من عدا الزوجات فالواجب فيهن الحد بقوله : ( والذين
يرمون المحصنات ) فكان موجب هذه الآية نافيا للعان ، ومن أوجبه وأسقط حكم الآية
فقد نسخها بغير توقيف وذلك باطل ، ولذلك نفيناه إلا مع بقاء الزوجية . وأيضا فإن الله
تعالى من حيث حكم بطلاق النساء فقد حكم بطلاقهن بعد البينونة بقوله : ( فلا جناح
عليهما فيما افتدت به ) [ البقرة : 229 ] ، ثم عطف عليه قوله : ( فإن طلقها فلا تحل له
من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) [ البقرة : 230 ] ، فحكم بوقوع الطلاق بعد الفدية لأن
" الفاء " للتعقيب ، وليس معك آية ولا سنة في إيجاب اللعان بعد البينونة . وأيضا فجائز
إثبات الطلاق من طريق المقاييس بعد البينونة ، ولا يجوز إثبات اللعان بعد البينونة من
طريق القياس ، لأنه حد لا مدخل للقياس في إثباته . وأيضا فإن اللعان يوجب البينونة
ولا يصح إثباتها بعد وقوع البينونة ، فلا معنى لإيجاب لعان لا يتعلق به بينونة ، إذ كان
موضوع اللعان لقطع الفراش وإيجاب البينونة ، فإذا لم يتعلق به ذلك فلا حكم له فجرى
اللعان عندنا في هذا الوجه مجرى الكنايات الموضوعة للبينونة فلا يقع بها طلاق بعد
ارتفاع الزوجية ، مثل قوله : أنت خلية وبائن وبتة ونحوها ، فلما لم يجز أن يلحقها حكم
هذه الكنايات بعد البينونة وجب أن يكون ذلك حكم اللعان في انتفاء حكمه بعد وقوع
الفرقة وارتفاع الزوجية ، وليس كذلك حكم صريح الطلاق إذ ليس شرطه ارتفاع البينونة ،
ألا ترى أن الطلاق تثبت معه الرجعة في العدة ولو طلق الثانية بعد الأولى في العدة لم
يكن في الثانية تأثير في بينونة ولا تحريم ؟ وإنما أوجب نقصان العدد فلذلك جاز أن
يلحقها الطلاق في العدة بعد البينونة لنقصان العدد لا لإيجاب تحريم ولا لبينونة . وأيضا
فليس يجوز أن يكون وقوع الطلاق أصلا لوجوب اللعان ، لأن الصغيرة والمجنونة
يلحقهما الطلاق ولا لعان بينهما وبين أزواجهما .
واختلف أهل العلم فيمن قذف امرأته ثم طلقها ثلاثا ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف
وزفر ومحمد : إذا أبانت منه بعد القذف بطلاق أو غيره فلا حد عليه ولا لعان " ، وهو قول
الثوري . وقال الأوزاعي والليث والشافعي : " يلاعن " . وقال الحسن بن صالح : " إذا
قذفها وهي حامل ثم ولدت ولدا قبل أن يلاعنها فماتت لزمه الولد وضرب الحد ، وإن
أحكام القرآن — صفحة 380
مساهمون: الجصاص
ص٣٨٠