قال أبو بكر : فذهب هؤلاء إلى أن معنى الآية الإخبار باشتراكهما في الزنا وأن
المرأة كالرجل في ذلك ، فإذا كان الرجل زانيا فالمرأة مثله إذا طاوعته ، وإذا زنت المرأة
فالرجل مثلها ، فحكم تعالى في ذلك بمساواتهما في الزنا ، ويفيد ذلك مساواتهما في
استحقاق الحد وعقاب الآخرة وقطع الموالاة وما جرى مجرى ذلك . وروي فيه قول
آخر ، وهو ما روى عاصم الأحول عن الحسن في هذه الآية قال : " المحدود لا يتزوج إلا
محدودة " .
واختلف السلف في تزويج الزانية ، فروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن
مسعود وابن عمر ومجاهد وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير في آخرين من التابعين : " أن
من زنى بامرأة أو زنى بها غيره فجائز له أن يتزوجها " . وروي عن علي وعائشة والبراء
وإحدى الروايتين عن ابن مسعود : " أنهما لا يزالان زانيين ما اجتمعا " . وعن علي : " إذا
زنى الرجل فرق بينه وبين امرأته ، وكذلك هي إذا زنت " .
قال أبو بكر : فمن حظر نكاح الزانية تأول فيه هذه الآية ، وفقهاء الأمصار متفقون
على جواز النكاح وأن الزنا لا يوجب تحريمها على الزوج ولا يوجب الفرقة بينهما ،
ولا يخلو قوله تعالى : ( الزاني لا ينكح إلا زانية ) من أحد وجهين : إما أن يكون خبرا
وذلك حقيقته أو نهيا وتحريما ، ثم لا يخلو من أن يكون المراد بذكر النكاح هنا الوطء أو
العقد ، وممتنع أن يحمل على معنى الخبر وإن كان ذلك حقيقة اللفظ لأنا وجدنا زانيا
يتزوج غير زانية وزانية تتزوج غير الزاني ، فعلمنا أنه لم يرد مورد الخبر ، فثبت أنه أراد
الحكم والنهي . فإذا كان كذلك فليس يخلو من أن يكون المراد الوطء أو العقد ، وحقيقة
النكاح هو الوطء في اللغة لما قد بيناه في مواضع ، فوجب أن يكون محمولا عليه على ما
روي عن ابن عباس ومن تابعه في أن المراد الجماع ، ولا يصرف إلى العقد إلا بدلالة ،
لأنه مجاز ولأنه إذا ثبت أنه قد أريد به الحقيقة انتفى دخول المجاز فيه . وأيضا فلو كان
المراد العقد لم يكن زنا المرأة أو الرجل موجبا للفرقة ، إذ كانا جميعا موصوفين بأنهما
زانيان ، لأن الآية قد اقتضت إباحة نكاح الزاني للزانية ، فكان يجب أن يجوز للمرأة أن
تتزوج الذي زنى بها قبل أن يتوبا وأن لا يكون زناهما في حال الزوجية يوجب الفرقة ،
ولا نعلم أحدا يقول ذلك ، وكان يجب أن يجوز للزاني أن يتزوج مشركة وللمرأة الزانية
أن تتزوج مشركا ، ولا خلاف في أن ذلك غير جائز وأن نكاح المشركات وتزويج
المشركين محرم منسوخ ، فدل ذلك على أحد معنيين : إما أن يكون المراد الجماع على
ما روي عن ابن عباس ومن تابعه ، أو أن يكون حكم الآية منسوخا على ما روي عن
سعيد بن المسيب .
أحكام القرآن — صفحة 346
مساهمون: الجصاص
ص٣٤٦