يشتمل على أحكام : منها أنه ردده ثلاث مرات ثم لما أقر الرابعة سأل عن صحة
عقله فقال : " هل به جنة ؟ " فقالوا : لا ، وإنه استنهكه أحمد ثم قال له : " لعلك لمست لعلك
قبلت ؟ " فلما أبى إلا التصميم على الإقرار بصريح الزنا سأل عن إحصانه ، ثم لما هرب
حين أدركته الحجارة قال : " هلا تركتموه ! " وفي ترديده ثلاث مرات ثم المسألة عن عقله
بعد الرابعة دلالة على أن الحد لا يجب إلا بعد إقراره أربعا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تعافوا
الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد قد وجب " ، فلو كان الحد واجبا بإقراره مرة واحدة
لسأل عنه في أول إقراره ، ومسألته جيرانه وأهله عن عقله يدل على أن على الإمام
الاستثبات والاحتياط في الحد ومسألته عن الزنا كيف هو وما هو . وقوله : " لعلك لمست
لعلك قبلت " يفيد حكمين ، أحدهما : أنه لا يقتصر على إقراره بالزنا دون استثباته في
معنى الزنا حتى يبينه بصفة لا يختلف فيه أنه زنا ، وقوله : " لعلك لمست لعلك قبلت "
تلقين له الرجوع عن الزنا وأنه إنما أراد اللمس ، كما روي أنه للسارق : " ما إخاله
سرق " ، ونظيره ما روي عن عمر أنه جيء بامرأة حبلى بالموسم وهي تبكي ، فقالوا :
زنت ، فقال عمر : ما يبكيك ؟ فإن المرأة ربما استكرهت على نفسها ! يلقنها ذلك ،
فأخبرت أن رجلا ركبها وهي نائمة ، فقال عمر : لو قتلت هذه لخشيت أن تدخل ما بين
هذين الأخشبين النار ! فخلى سبيلها . وروي أن عليا قال لشراحة حين أقرت عنده بالزنا :
لعلك عصيت نفسك ؟ قالت : أتيت طائعة غير مكرهة ، فرجمها . وقوله صلى الله عليه وسلم : " هلا
تركتموه " يدل على جواز رجوعه عن إقراره ، لأنه لما امتنع مما بذل نفسه له بديا قال :
" هلا تركتموه " ، ولما لم يجلده دل على أن الرجم والجلد لا يجتمعان .
قوله تعالى : ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) وروى ابن أبي نجيح عن
جاهد قال : " الطائفة الرجل إلى الألف " وقرأ : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا )
[ الحجرات : 9 ] . وقال عطاء : " رجلان فصاعدا " . وقال الحسن وأبو بريدة : " الطائفة
عشرة " . وقال محمد بن كعب القرظي في قوله : ( إن نعف عن طائفة منكم " [ التوبة :
66 ] قال : كان رجلا . وقال الزهري : ( وليشهد عذابهما طائفة ) " ثلاثة فصاعدا " . وقال
قتادة : " ليكون عظة وعبرة لهم " . وحكي عن مالك والليث : " أربعة ، لأن الشهود أربعة " .
قال أبو بكر : يشبه أن المعنى في حضور الطائفة ما قاله قتادة أنه عظة وعبرة لهم ،
فيكون زجرا له عن العود إلى مثله وردعا لغيره عن إتيان مثله ، والأولى أن تكون الطائفة
جماعة يستفيض الخبر بها ويشيع فيرتدع الناس عن مثله ، لأن الحدود موضوعة للزجر
والردع ، وبالله التوفيق .
أحكام القرآن — صفحة 344
مساهمون: الجصاص
ص٣٤٤