فارسكم ؟ " قالوا : يا رسول الله ما أحسسناه ، فثوب بالصلاة ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي
وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلم قال : أبشروا قد جاءكم فارسكم " .
فأخبر في هذا الحديث أنه كان يلتفت إلى الشعب وهو في الصلاة ، وهذا عندنا كان عذرا
من وجهين ، أحدهما : أنه لم يأمن من مجيء العدو من تلك الناحية ، والثاني : اشتغال
قلبه بالفارس إلى أن طلع . وروي عن إبراهيم النخعي أنه كان يلحظ في الصلاة يمينا
وشمالا . وروى حماد بن سلمة عن حميد عن معاوية بن قرة قال : قيل لابن عمر : إن ابن
الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا هكذا ! قال : لكنا نقول هكذا وهكذا ونكون مثل الناس .
وروي عن ابن عمر أنه كان لا يلتفت في الصلاة ، فعلمنا أن الالتفات المنهى عنه أن يولي
وجهه يمنة ويسرة ، فأما أن يلحظ يمنة ويسرة فإنه غير منهي عنه . وروى سفيان عن
الأعمش قال : " كان ابن مسعود إذا قام إلى الصلاة كأنه ثوب ملقى " . وروى أبو مجلز عن
أبي عبيدة قال : " كان ابن مسعود إذا قام إلى الصلاة خفض فيها صوته وبدنه وبصره " .
وروى علي بن صالح عن زبير اليامي قال : " كان إذا أراد أن يصلي كأنه خشبة " .
قوله تعالى : ( والذين هم عن اللغو معرضون ) واللغة هو الفعل الذي لا فائدة فيه ،
وما كان هذا وصفه من القول والفعل فهو محظور . وقال ابن عباس : " اللغو الباطل " ،
والقول الذي لا فائدة فيه هو الباطل ، وإن كان الباطل قد يبتغي به فوائد عاجلة .
قوله تعالى : ( والذين هم لفروجهم حافظون ) يجوز أن يكون المراد عاما في
الرجال والنساء ، لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا غلب المذكر كقوله : ( قد أفلح
المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ) قد أريد به الرجال والنساء . ومن الناس من
يقول إن قوله : ( والذين هم لفروجهم حافظون ) خاص في الرجال بدلالة قوله تعالى :
( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) وذلك لا محالة أريد به الرجال . قال أبو بكر :
وليس يمتنع أن يكون اللفظ الأول عاما في الجميع والاستثناء خاص في الرجال ، كقوله :
( ووصينا الانسان بوالديه حسنا ) [ العنكبوت : 8 ] ثم قال : ( وإن جاهداك لتشرك بي )
[ العنكبوت : 8 ] ، فالأول عموم في الجميع والعطف في بعض ما انتظمه اللفظ ، وقوله " :
( والذين هم لفروجهم حافظون ) عام لدلالة الحال عليه وهو حفظها من مواقعة المحظور
بها .
قوله تعالى : ( فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) يقتضي تحريم نكاح
المتعة ، إذ ليست بزوجة ولا مملوكة يمين ، وقد بينا ذلك في سورة النساء في قوله :
( وراء ذلك ) [ النساء : 24 ] معناه : غير ذلك . وقوله : ( العادون ) يعني من يتعدى
الحلال إلى الحرام ، فأما قوله : ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) استثناء من
أحكام القرآن — صفحة 330
مساهمون: الجصاص
ص٣٣٠