المسيب قالوا : " السجدة على من سمعها " . وروى أبو إسحاق عن سليمان بن حنظلة
الشيباني قال : قرأت عند ابن مسعود سجدة فقال : " إنما السجدة على من جلس لها " ،
وروى سعيد بن المسيب عن عثمان مثله . قال أبو بكر : قد أوجبا السجدة على من جلس
لها ، ولا فرق بين أن يجلس للسجدة بعد أن يكون قد سمعها ، إذ كان السبب الموجب
لها هو السماع ، ثم لا يختلف حكمها في الوجوب بالنية ، وفي هذه الآية دلالة أيضا على
أن البكاء في الصلاة من خوف الله لا يفسدها .
قوله تعالى : ( وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض
إلا آتي الرحمن عبدا ) . فيه الدلالة على أن ملك الوالد لا يبقى على ولده فيكون عبدا له
يتصرف فيه كيف شاء وأنه يعتق عليه إذا ملكه ، وذلك لأنه تعالى فرق بين الولد والعبد ،
فنفى بإثباته العبودية النبوة . وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يجزي ولد والده
إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه بالشرى " ، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم : " الناس غاديان فبائع نفسه
فموبقها ومشتر نفسه فمعتقها " ، ولم يرد بذلك أن يبتدئ لنفسه عتقا بعد الشرى ، وإنما
معناه : معتقها بالشرى ، فكذلك قوله : " فيشتريه فيعتقه " ، وهو كقوله : " فيشتريه فيملكه "
وليس المراد منه استيناف ملك آخر بعد الشرى بل يملكه بالشرى . ويدل على أنه يعتق
عليه بنفس الشرى أن ولد الحر من أمته حر الأصل ولا يحتاج إلى استيناف عتق ، وكذلك
المشتري لابنه ، لأنه لو احتاج المشتري لابنه إلى استيناف عتق لاحتاج إليه أيضا الابن
المولود من أمته إذ كانت الأمة مملوكة .
فإن قيل : إن ولد أمته منه حر الأصل فلم يحتج من أجل ذلك إلى استيناف عتق ،
والولد المشترى مملوك فلا يعتق بالشرى حتى يستأنف له عتقا . قيل له : اختلافهما من
هذا الوجه لا يمنع وجه الاستدلال منه على ما وصفنا في أن الانسان لا يبقى له ملك على
ولده وأنه واجب أن يعتق عليه إذا ملكه ، وذلك لأنه لو جاز له أن يبقى له ملك على ولده
لوجب أن يكون ولده من أمته رقيقا إلى أن يعتقه . وإنما اختلف الولد والمولود من أمته
والولد المشترى في كون الأول حر الأصل وكون الآخر معتقا عليه ثابت الولاء منه ، من
قبل أن الولد المشترى قد كان ملكا لغيره فلا بد إذا اشتراه من وقوع العتاق عليه حتى
يستقر ملكه ، إذ غير جائز إيقاع العتق في ملك بائعه لأنه لو وقع العتاق في ملكه لبطل
البيع لأنه بعد العتق ، ولا يصح أيضا وقوعه في حال البيع لأن حصول العتق ينفي صحة
البيع في الحال التي يقع فيها فوجب أن يعتق في الثاني من ملكه ، ولا يصح أيضا وقوع
العتاق في حال الملك لأنه يكون إيقاع عتق لا في ملك فلذلك وجب أن يعتق في الثاني
من ملكه ، وأما الولد المولود في ملكه من جاريته فإنا لو أثبتنا له ملكا فيه كان هو
أحكام القرآن — صفحة 285
مساهمون: الجصاص
ص٢٨٥