مسكينا واحدا " . وقال المزني عن الشافعي : " وأقل ما يعطي أهل السهم من سهام الزكاة
ثلاثة فإن أعطى اثنين وهو يجد الثالث ضمن ثلث سهم " . قال أبو بكر : قوله تعالى :
( إنما الصدقات للفقراء ) اسم للجنس في المدفوع والمدفوع إليهم ، وأسماء الأجناس
إذا أطلقت فإنها تتناول المسميات بإيجاب الحكم فيها على أحد معنيين : إما الكل وإما
أدناه ، ولا تختص بعدد دون عدد لا بدلالة ، إذ ليس فيها ذكر العدد ، ألا ترى إلى قوله
تعالى : ( والسارق والسارقة ) [ المائدة : 38 ] وقوله : ( الزانية والزاني ) [ النور : 2 ]
وقوله : ( وخلق الانسان ضعيفا ) [ النساء : 28 ] ونحوها من أسماء الأجناس أنها تتناول
كل واحد من آحادها على حياله لا على طريق الجمع ؟ ولذلك قال أصحابنا فيمن قال :
إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد ، أنه على الواحد منهم ، ولو قال : إن شربت الماء أو
أكلت الطعام ، كان على الجزء منها لا على استيعاب جميع ما تحته ، وقالوا : لو أراد
بيمينه استيعاب الجنس كان مصدقا ولم يحنث أبدا ، إذ كان مقتضى اللفظ أحد معنيين إما
استيعاب الجميع أو أدنى ما يقع عليه الاسم منه وليس للجميع حظ في ذلك ، فلا معنى
لاعتبار العدد فيه . وإذا ثبت ما وصفنا واتفق الجميع على أنه لم يرد بآية الصدقات
استيعاب الجنس كله حتى لا يحرم واحد منهم ، سقط اعتبار العدد فيه ، فبطل قول من
اعتبر ثلاثة منهم . وأيضا لما لم يكن ذلك حقا لإنسان بعينه وإنما هو حق الله تعالى
يصرف في هذا الوجه وجب أن لا يختلف حكم الواحد والجماعة في جواز الإعطاء ،
ولأنه لو وجب اعتبار العدد لم يكن بعض الأعداد أولى بالاعتبار من بعض ، إذ لا يختص
الاسم بعدد دون عدد . وأيضا لما وجب اعتبار العدد وقد علمنا تعذر استيفائه لأنهم
لا يحصون دل على سقوط اعتباره ، إذ كان في اعتباره ما يؤديه إلى إسقاطه . وقد اختلف
أبو يوسف ومحمد فيمن أوصى بثلث ماله للفقراء ، فقال أبو يوسف : " يجزيه وضعه في
فقير واحد " ، وقال محمد : " لا يجزي إلا في اثنين فصاعدا " ، شبهه أبو يوسف بالصدقات
وهو أقيس .
واختلف في موضع أداء الزكاة ، فقال أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد :
" تقسم صدقة كل بلد في فقرائه ولا يخرجها إلى غيره ، وإن أخرجها إلى غيره فأعطاها
الفقراء جاز ويكره " . وروى علي الرازي عن أبي سليمان عن ابن المبارك عن أبي حنيفة
قال : " لا بأس بأن يبعث الزكاة من بلد إلى بلد آخر إلى ذي قرابته " ، قال أبو سليمان :
فحدثت به محمد بن الحسن فقال : هذا حسن ، وليس لنا في هذا سماع عن أبي حنيفة ،
قال أبو سليمان : فكتبه محمد بن الحسن عن ابن المبارك عن أبي حنيفة . وذكر الطحاوي
عن ابن أبي عمران قال : أخبرنا أصحابنا عن محمد بن الحسن عن أبي سليمان عن
أحكام القرآن — صفحة 175
مساهمون: الجصاص
ص١٧٥