يحتسب بالمشروط للمضارب من ذلك من مال المريض إن مات من مرضه ، وأن ذلك
ليس بمنزلة ما لو استأجره بأكثر من أجرة مثله فيكون ذلك من الثلث ، فليس إذا في أخذه
ربح المضاربة أخذ شئ من مال اليتيم .
فإن قيل : هلا كان الوصي في ذلك كسائر العمال والقضاة الذين يعملون ويأخذون
أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين ! فكذلك الوصي إذا عمل لليتيم جاز له أخذ رزقه بقدر
عمله . قيل له : لا خلاف بين الفقهاء أن الوصي لا يجوز له أخذ شئ من مال اليتيم
لأجل عمله إذا كان غنيا ، وقد حظر ذلك عليه نص التنزيل في قوله تعالى : ( ومن كان
غنيا فليستعفف ) ، ولا خلاف مع ذلك أن القضاة والعمال جائز لهم أخذ أرزاقهم مع
الغني ، فلو كان ما أخذه ولي اليتيم من ماله يجري مجرى رزق القضاة والعمال جاز له أن
يأخذه في حال الغنى ، فدل ذلك على أن ولي اليتيم لا يستحق رزقا من ماله ، ولا خلاف
أيضا أن القاضي لا يجوز له أن يأخذ من مال اليتيم شيئا وإليه القيام بأمر الأيتام ، فثبت
بذلك أن سائر الناس ممن لهم الولاية على الأيتام لا يجوز لهم أخذ شئ من أموالهم لا
قرضا ولا غيره كما لا يأخذه القاضي فقيرا كان أو غنيا .
فإن قيل : فما الفرق بين رزق القاضي والعامل وبين أخذ ولي اليتيم من ماله مقدار
الكفاية وبين أخذ الأجرة ؟ قيل له : إن الرزق ليس بأجرة لشئ وإنما هو شئ جعله الله له
ولكل من قام بشئ من أمور المسلمين ، ألا ترى أن الفقهاء لهم أخذ الأرزاق ولم يعملوا
شيئا يجوز أخذ الأجرة عليه ؟ لأن اشتغالهم بالفتيا وتفقيه الناس فرض ، ولا جائز لأحد
أخذ الأجرة على الفروض ، والمقاتلة وذريتها يأخذون الأرزاق وليست بأجرة ، وكذلك
الخلفاء ، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم سهم من الخمس والفئ وسهم من الغنيمة إذا حضر القتال ،
وغير جائز لأحد أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يأخذ الأجر على شئ مما يقوم به من أمور
الدين ، وكيف يجوز ذلك مع قول الله تعالى : ( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من
المتكلفين ) [ ص : 86 ] و ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) [ الشورى :
23 ] ، فثبت بذلك أن الرزق ليس بأجرة . ويدلك على هذا أنه قد تجب للفقراء والمساكين
والأيتام في بيت المال الحقوق ولا يأخذونها بدلا من شئ ، فأخذ الأجرة للقاضي ولمن
قام بشئ من أمور الدين غير جائز ، وقد منع القاضي أن يقبل الهدية . وسئل عبد الله بن
مسعود عن قوله تعالى : ( أكالون للسحت ) [ المائدة : 42 ] أهو الرشا ؟ قال : " لا ، ذاك
كفر إنما هو هدايا العمال " ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " هدايا الأمراء غلول " .
فالقاضي ممنوع من أخذ الأجرة على شئ من أمر القضاء ومحظور عليه قبول الهدايا ،
وتأولها السلف على أنها السحت المذكور في كتاب الله تعالى . وولي اليتيم لا يخلو فيما
أحكام القرآن — صفحة 85
مساهمون: الجصاص
ص٨٥