اختلف فيه الغني والفقير ، فعلمنا أن هذا التأويل ساقط . وأيضا في حديث ابن عباس
إباحة الأكل دون أن يكتسي منه عمامة ، ولو كان ذلك مستحقا لعمله لما اختلف فيه حكم
المأكول والملبوس ، فهذا أحد الوجوه التي تأولت عليه الآية وهو أن يقتصر على الأكل
فحسب إذا عمل لليتيم . وقال آخرون : " يأخذه فرضا ثم يقضيه " . وروى شريك عن أبي
إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر قال : " إني أنزلت مال الله تعالى مني بمنزلة مال اليتيم ،
إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف وقضيت " . وروي عن عبيدة السلماني
وسعيد بن جبير وأبي العالية وأبي وائل ومجاهد مثل ذلك ، وهو أن يأخذ قرضا ثم يقضيه
إذا وجد . وقول ثالث : قال الحسن وإبراهيم وعطاء بن أبي رباح ومكحول : " إنه يأخذ
منه ما يسد الجوعة ويواري العورة ولا يقضي إذا وجد " . وقول رابع : وهو ما روي عن
الشعبي أنه بمنزلة الميتة يتناوله عند الضرورة ، فإذا أيسر قضاه وإذا لم يوسر فهو في حل .
وقول خامس : وهو ما روى مقسم عن ابن عباس : ( فليستعفف ) قال : بغناه ( ومن كان
فقيرا فليأكل بالمعروف ) قال : فلينفق على نفسه من ماله حتى لا يصيب من مال اليتيم
شيئا ، حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا
منجاب بن الحارث قال : حدثنا أبو عامر الأسدي قال : حدثنا سفيان عن الأعمش عن
الحكم عن مقسم عن ابن عباس بمعنى ذلك . وقد روى عكرمة عنه أنه يقضي . وروي عن
ابن عباس أنه منسوخ . وقال مجاهد في رواية أخرى : " فليأكل بالمعروف من مال نفسه
ولا رخصة له في مال اليتيم " ، وهو قول الحكم .
قال أبو بكر : فحصل الاختلاف بين السلف على هذه الوجوه ، وروي عن ابن
عباس أربع روايات على ما ذكرنا ، أحدها : أنه إذا عمل لليتيم في إبله شرب من لبنها ،
والثانية : أنه يقضي ، والثالثة : لا ينفق من مال اليتيم شيئا ولكنه يقوت على نفسه من ماله
حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم ، والرابعة : أنه منسوخ . والذي نعرفه من مذهب أصحابنا
أنه لا يأخذه قرضا ولا غيره غنيا كان أو فقيرا ، ولا يقرضه غيره أيضا . وقد روى
إسماعيل بن سالم عن محمد قال : أما نحن فلا نحب للوصي أن يأكل من مال اليتيم شيئا
قرضا ولا غيره ، ولم يذكر خلافا . وروى محمد في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن رجل
عن ابن مسعود قال : " لا يأكل الوصي من مال اليتيم قرضا ولاه غيره " ، وهو قول أبي
حنيفة ، وذكر الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة أنه يأخذ قرضا إذا احتاج ثم يقضيه ، كما
روي عن عمر ومن تابعه . وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف : " إنه لا يأكل من مال
اليتيم إذا كان مقيما ، فإن خرج لتقاضي دين لهم أو إلى ضياع لهم فله أن ينفق ويكتسي
ويركب ، فإذا رجع رد الثياب والدابة إلى اليتيم " ، قال : وقال أبو يوسف : وقوله تعالى :
أحكام القرآن — صفحة 82
مساهمون: الجصاص
ص٨٢