العلم يعلمون تأويل ما نصب لهم الدلالة عليه من المتشابه ، قائلين : ربنا آمنا به ، فصاروا
معطوفين على ما قبله داخلين في حيزه ، وقد وجد مثله في الشعر ، قال يزيد بن مفرغ
الحميري :
وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه
فالريح تبكي شجوه * والبرق يلمع في الغمامة
والمعنى : والبرق يبكي شجوه لامعا في الغمامة . وإذا كان ذلك سائغا في اللغة
وجب حمله على موافقة دلالة الآية في وجوب رد المتشابه إلى المحكم ، فيعلم
الراسخون في العلم تأويله إذا استدلوا بالمحكم على معناه . ومن جهة أخرى أن " الواو "
لما كانت حقيقتها الجمع فالواجب حملها على حقيقتها ومقتضاها ، ولا يجوز حملها
على الابتداء إلا بدلالة ، ولا دلالة معنا توجب صرفها عن الحقيقة ، فوجب استعمالها
على الجمع .
فإن قيل : إذا كان استعمال المحكم مقيدا بما في العقل ، وقد يمكن كل مبطل أن
يدعي ذلك لنفسه فيبطل فائدة الاحتجاج بالمحكم . قيل له : إنما هو مقيد بما هو في
تعارف العقول ، فيكون اللفظ مطابقا لما تعارفه العقلاء من أهل اللغة ، ولا يحتاج في
استعمال حكم العقل فيه إلى مقدمات بل يوقع العلم لسامعه بمعنى مراده على الوجه
الذي هو ثابت في عقول العقلاء دون عادات فاسدة قد جروا عليها ، فما كان كذلك فهو
المحكم الذي لا يحتمل معناه إلا مقتضى لفظه وحقيقته ، فأما العادات الفاسدة فلا اعتبار
بها .
فإن قيل : كيف وجه اتباع من في قلبه زيغ ما تشابه منه دون ما أحكم ؟ قيل له :
نحو ما روى الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت في وفد نجران لما حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم في
المسيح فقالوا : أليس هو كلمة الله وروح منه ؟ فقال : " بلى " فقالوا : حسبنا ! فأنزل الله
( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ) ، ثم أنزل الله تعالى : ( إن مثل عيسى
عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) [ آل عمران : 59 ] فصرفوا قوله :
" كلمة الله " إلى ما يقولونه في قدمه مع الله وروحه ، صرفوه إلى أنه جزء منه قديم معه
كروح الانسان ، وإنما أراد الله تعالى بقوله : " كلمة " أنه بشر به في كتب الأنبياء
المتقدمين ، فسماه كلمة من حيث قدم البشارة به ، وسماه روحه لأن الله تعالى خلقه من
غير ذكر بل أمر جبريل عليه السلام فنفخ في جيب مريم عليها السلام ، وأضافه إلى نفسه
تعالى تشريفا له ، كبيت الله وسماء الله وأرضه ونحو ذلك . وقيل إنه سماه روحا كما سمى
القرآن روحا بقوله تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) [ الشورى : 52 ] ،
أحكام القرآن — صفحة 7
مساهمون: الجصاص
ص٧