ثبوت الحكم فيشتبه على التالي حكمه في ثبوته ونسخه ، فمن هذا الوجه جائز أن يسمى
المنسوخ متشابها . وأما قول من قال : إن المحكم هو الذي لم تتكرر ألفاظه والمتشابه هو
الذي تتكرر ألفاظه ، فإن اشتباه هذا من جهة اشتباه وجه الحكمة فيه على السامع ، وهذا
سائغ عام في جميع ما يشتبه فيه وجه الحكمة فيه على السامع إلى أن يتبينه ويتضح له
وجهه ، فهذا مما يجوز فيه إطلاق اسم المتشابه . وما لا يشتبه فيه وجه الحكمة على
السامع فهو المحكم الذي لا تشابه فيه على قول هذا القائل ، فهذا أيضا أحد وجوه
المحكم والمتشابه وإطلاق الاسم فيه سائغ جائز . وأما ما روي عن جابر بن عبد الله أن
المحكم ما يعلم تعيين تأويله والمتشابه مالا يعلم تأويله ، كقوله تعالى :
( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) [ الأعراف : 187 ] وما جرى مجرى ذلك ، فإن
إطلاق اسم المحكم والمتشابه سائغ فيه ، لأن ما علم وقته ومعناه فلا تشابه فيه وقد أحكم
بيانه ، وما لا يعلم تأويله ومعناه ووقته فهو مشتبه على سامعه فجائز أن يسمى بهذا
الاسم . فجميع هذه الوجوه يحتمله اللفظ على ما روي فيه ، ولولا احتمال اللفظ لما
ذكروا لما تأولوه عليه . وما ذكرناه من قول من قال إن المحكم هو مالا يحتمل إلا معنى
واحدا والمتشابه ما يحتمل معنيين ، فهو أحد الوجوه الذي ينتظمها هذا الاسم ، لأن
المحكم من هذا القسم سمي محكما لإحكام دلالته وإيضاح معناه وإبانته ، والمتشابه منه
سمي بذلك لأنه أشبه المحكم من وجه واحتمل معناه وأشبه غيره مما يخالف معناه معنى
المحكم فسمي متشابها من هذا الوجه . فلما كان المحكم والمتشابه يعتورهما ما ذكرنا
من المعاني احتجنا إلى معرفة المراد منها بقوله تعالى : ( منه آيات محكمات هن أم
الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة
وابتغاء تأويله ) ، مع علمنا بما في مضمون هذه الآية وفحواها من وجوب رد المتشابه إلى
المحكم وحمله على معناه دون حمله على ما يخالفه لقوله تعالى في صفة المحكمات :
( هن أم الكتاب والأم ) هي التي منها ابتداؤه وإليها مرجعه ، فسماها أما ، فاقتضى ذلك
بناء المتشابه عليها ورده إليها . ثم أكد ذلك بقوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما
تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) فوصف متبع المتشابه من غير حمله له على معنى
المحكم بالزيغ في قلبه ، وأعلمنا أنه مبتغ للفتنة ، وهي الكفر والضلال في هذا الموضع
كما قال تعالى : ( والفتنة أشد من القتل ) [ البقرة : 191 ] يعني والله أعلم : الكفر ، فأخبر
أن متبع المتشابه وحامله على مخالفة المحكم في قلبه زيغ - يعني الميل عن الحق -
يستدعي غيره بالمتشابه إلى الضلال والكفر ، فثبت بذلك أن المراد بالمتشابه المذكور في
هذه الآية هو اللفظ المحتمل للمعاني الذي يجب رده إلى المحكم وحمله على معناه . ثم
نظرنا بعد ذلك في المعاني التي تعتور هذا اللفظ وتتعاقب عليه مما قدمنا ذكره في أقسام
أحكام القرآن — صفحة 4
مساهمون: الجصاص
ص٤