مطلب : في ذم الحجاج الظالم
ولعمري إن أيام عبد الملك والحجاج والوليد وأضرابهم كانت من الأيام التي سقط
فيها فرض الانكار عليهم بالقول واليد لتعذر ذلك والخوف على النفس ، وقد حكي أن
الحجاج لما مات قال الحسن : " اللهم أنت أمته فاقطع عنا سنته فإنه أتانا أخيفش أعيمش
يمد بيد قصيرة البنان والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله عز وجل ، يرجل جمته ويخطر
في مشيته ويصعد المنبر فيهذر حتى تفوته الصلاة ، لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي ،
فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون لا يقول له قائل الصلاة أيها الرجل " ثم قال الحسن :
" هيهات والله ! حال دون ذلك السيف والسوط " . وقال عبد الملك بن عمير : " خرج
الحجاج يوم الجمعة بالهاجرة فما زال يعبر مرة عن أهل الشام يمدحهم ومرة عن أهل
العراق يذمهم حتى لم نر من الشمس إلا حمرة على شرف المسجد ، ثم أمر المؤذن فأذن
فصلى بنا الجمعة ، ثم أذن فصلى بنا العصر ، ثم أذن فصلى بنا المغرب ، فجمع بين
الصلوات يومئذ " . فهؤلاء السلف كانوا معذورين في ذلك الوقت في ترك النكير باليد
واللسان ، وقد كان فقهاء التابعين وقراؤهم خرجوا عليه مع ابن الأشعث إنكارا منهم
لكفره وظلمه وجوره ، فجرت بينهم تلك الحروب المشهورة وقتل منهم من قتل ووطئهم
بأهل الشام حتى لم يبقى أحد ينكر عليه شيئا يأتيه إلا بقلبه ، وقد روى ابن مسعود في ذلك
ما حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد
قال : حدثنا حجاج عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن
عبد الله بن مسعود ، أنه ذكر عنده هذه الآية : ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا
اهتديتم ) فقال : لم يجئ تأويلها بعد ، إن القرآن أنزل حين أنزل ومنه آي قد مضى
تأويلهن قبل أن ينزلن ، وكان منه آي وقع تأويلهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنه آي وقع
تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير ، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ، ومنه آي يقع تأويلهن عند
الساعة ، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب من الجنة والنار ، قال : فما دامت قلوبكم
واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا بالمعروف
أحكام القرآن — صفحة 611
مساهمون: الجصاص
ص٦١١