الألباب ) . الآيات التي فيها من جهات : أحدها تعاقب الأعراض المتضادة عليها مع
استحالة وجودها عارية منها ، والأعراض محدثة ، وما لم يسبق المحدث فهو محدث .
وقد دلت أيضا على أن خالق الأجسام لا يشبهها ، لأن الفاعل لا يشبه فعله . وفيه الدلالة
على أن خالقها قادر لا يعجزه شئ ، إذ كان خالقها وخالق الأعراض المضمنة بها وهو
قادر على أضدادها ، إذ ما ليس بقادر يستحيل منه الفعل . ويدل على أن فاعلها قديم لم
يزل ، لأن صحة وجودها متعلقة بصانع قديم ، لولا ذلك لاحتاج الفاعل إلى فاعل آخر
إلى مالا نهاية له . ويدل على أن صانعها عالم من حيث استحال وجود الفعل المتقن
المحكم إلا من عالم به قبل أن يفعله . ويدل على أنه حكيم عدل ، لأنه مستغن عن فعل
القبيح عالم بقبحه فلا تكون أفعاله إلا عدلا وصوابا . ويدل على أنه لا يشبهها ، لأنه لو
أشبهها لم يخل من أن يشبهها من جميع الوجوه أو من بعضها ، فإن أشبهها من جميع
الوجوه فهو محدث مثلها ، وإن أشبهها من بعض الوجوه فواجب أن يكون محدثا من
ذلك الوجه ، لأن حكم المشبهين واحد من حيث اشتبها فوجب أن يتساويا في حكم
الحدوث من ذلك الوجه . ويدل وقوف السماوات والأرض من غير عمد أن ممسكها لا
يشبهها ، لاستحالة وقوفها من غير عمد من جسم مثلها . إلى غير ذلك من الدلائل
المضمنة بها . ودلالة الليل والنهار على الله تعالى أن الليل والنهار محدثان لوجود كل
واحد منهما بعد أن لم يكن موجودا ، ومعلوم أن الأجسام لا تقدر على إيجادها ولا على
الزيادة والنقصان فيها ، وقد اقتضيا محدثا من حيث كانا محدثين لاستحالة وجود حادث
لا محدث له ، فوجب أن يكون محدثهما ليس بجسم ولا مشبه للأجسام لوجهين ،
أحدهما : أن الأجسام لا تقدر على إحداث مثلها ، والثاني : أن المشبه للجسم يجري عليه
ما يجري عليه من حكم الحدوث ، فلو كان فاعلهما حادثا لاحتاج إلى محدث ، ثم كذلك
يحتاج الثاني إلى الثالث إلى مالا نهاية له ، وذلك محال ، فلا بد من إثبات صانع قديم لا
يشبه الأجسام ، والله أعلم .
باب فضل الرباط في سبيل الله تعالى
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ) . قال الحسن وقتادة
وابن جريج والضحاك : " اصبروا على طاعة الله وصابروا على دينكم وصابروا أعداء الله
ورابطوا في سبيل الله " . وقال محمد بن كعب القرظي : " اصبروا على دينكم وصابروا
وعدي إياكم ورابطوا أعداءكم " . وقال زيد بن أسلم : " اصبروا على الجهاد وصابروا
العدو ورابطوا الخيل عليه " . وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : " ورابطوا بانتظار الصلاة
أحكام القرآن — صفحة 57
مساهمون: الجصاص
ص٥٧