القضاء لولا الدلالة . وأيضا فلا تأثير للنسيان بانفراده في سقوط الفرض إلا بانضمام معنى
آخر إليه فيصيران عذرا في سقوطه ، نحو السفر الذي هو حال عدم الماء فإذا انضم إليه
النسيان صار جميعا عذرا في سقوطه ، وأما نسيان الطهارة والقراءة والصلاة ونحو ذلك
فلم ينضم إلى النسيان في ذلك معنى آخر حتى يصير عذرا في سقوط هذه الفروض . ومن
جهة أخرى أنا جعلنا النسيان عذرا في الانتقال إلى بدل لا في سقوط أصل الفرض ، وفي
المسائل التي ذكرتها فيها اسقاط الفروض لا نقلها إلى أبدال ، فلذلك اختلفا . فإن قيل :
الناسي للماء في رحله هو واجد له . قيل له : ليس الوجود هو كون الماء في رحله دون
إمكان الوصول إلى استعماله من غير ضرر يلحقه ، ألا ترى أن من معه ماء وهو يخاف
على نفسه العطش يجوز له التيمم وهو واجد للماء ؟ فالناسي أبعد من الوجود لتعذر
وصوله إلى استعماله ، ألا ترى أن من ليس في رحله ماء وهو قائم على شفير نهر أنه
واجد للماء وإن لم يكن له مالكا لإمكان الوصول إلى استعماله ؟ فعلمنا أن الوجود هو
إمكان التوصل إلى استعماله من غير ضرر ، ألا ترى أن الماء لو كان في رحله ومنعه منه
مانع جاز له التيمم ؟ فعلمنا أن الوجود شرطه ما ذكرنا دون الملك . فإن قيل : ما تقول لو
كان على ثوبه نجاسة فنسي الماء في رحله ولم يغسله وصلى فيه ، هل يجزيه ؟ قيل له : لا
نعرفها محفوظة عن أصحابنا ، وقياس قول أبي حنيفة أنه يجزي ، وكذلك كان يقول أبو
الحسن الكرخي فيمن نسي في رحله ثوبا وصلى عريانا أنه يجزيه .
مطلب : في أن الوجود لا يقتضي سبق طلب
واختلفوا في تارك الطلب إذا لم يكن بحضرته ماء ، هل هو غير واجد ؟ فقال
أصحابنا : " إذا لم يطمع في الماء ولم يخبره مخبر فليس عليه الطلب ويجزيه التيمم " .
وقال الشافعي : " عليه الطلب ، وإن تيمم قبل الطلب لم يجزه " . وقال أصحابنا : " إن طمع
فيه أو أخبره مخبر بموضعه فإن كان بينه وبينه ميل أو أكثر فليس عليه إتيانه لما يلحقه من
المشقة والضرر بتخلفه عن أصحابه وانقطاعه عن أهل رفقته ، وإن كان أقل من ميل أتاه ،
وهذا إذا لم يخف على نفسه وما معه من لصوص أو سبع ونحوه ولم ينقطع عن
أصحابه " . وإنما قالوا فيمن كانت حاله ما قدمنا أنه يجزيه التيمم وليس عليه الطلب ، من
قبل أنه غير واجد للماء ، وقال الله تعالى : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) وهذا غير واجد .
فإن قالوا : لا يكون غير واجد إلا بعد الطلب . قيل له : هذا خطأ ، لأن الوجود لا يقتضي
طلبا ، قال الله تعالى : ( فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم ) [ الأعراف : 44 ]
فأطلق اسم الوجود على ما لم يطلبوه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من وجد لقطة فليشهد ذوي
أحكام القرآن — صفحة 472
مساهمون: الجصاص
ص٤٧٢