العطش عن علي وابن عباس والحسن وعطاء . وإنما شرطنا أن يجده بثمن مثل قيمته في
غير الضرورة من قبل أن المقدار الفاضل عن قيمته غير مستحق عليه إتلافه لأجل
الطهارة ، إذ لا يحصل بإزائه بدل ، فكان إضاعة للمال ، لأن من اشترى ما يساوي درهما
بعشرة دراهم فهو مضيع للتسعة ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال . وأيضا لو كان
على ثوبه نجاسة ولم يجد الماء لم يكن عليه قطع موضع النجاسة لأجل الصلاة ، بل عليه
أن يصلي فيه لأجل ما يلحقه من الضرر بقطعه ، فكذلك شرى الماء بثمن غال ، وأما إذا
وجده بثمن مثله فعليه أن يشتريه ويتوضأ ولا يجزيه التيمم ، من قبل أنه ليس فيه تضييع
المال ، إذ كان يملك بإزاء ما أخرج من ماله مثله وهو الماء الذي أخذه فكان عليه شراؤه
والوضوء به .
وقد اختلف الفقهاء فيمن وجد من الماء مالا يكفيه لطهارته ، فقال أصحابنا
جميعا : " يتيمم وليس عليه استعماله ، وكذلك لو كان جنبا فوجد ما يكفيه لوضوئه ولا
يكفيه لغسله يتيمم " . وقال مالك والأوزاعي : " لا يستعمل الجنب هذا الماء في الابتداء
ويتيمم ، فإن أحدث بعد ذلك وعنده ما يكفيه لوضوئه يتيمم أيضا " . وقال أصحابنا في
هذه المسألة الأخيرة : " يتوضأ بهذا الماء ما لم يجد ما يكفيه لغسله " . وقال الشافعي :
" عليه غسل ما قدر على غسله ويتيمم ، لا يجزيه غير ذلك " .
قال أبو بكر : قال الله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) إلى قوله
تعالى : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ) فاقتضى ذلك وجوب أحد شيئين : إما الماء
عند وجوده أو التراب عند عدمه ، لأنه أوجبه بهذه الشريطة . ولا خلاف أن من فرض هذا
الرجل التيمم وأن صلاته غير مجزية إلا به ، فعلمنا أن هذا الماء ليس هو الماء المفروض
به الطهارة ، إذ لو كان الماء المفروض به الطهارة موجودا لم تكن صحة صلاته موقوفة
على فعل التيمم منه . فإن قيل : قال الله تعالى : ( فلم تجدوا ماء ) فأباح التيمم عند عدم
ماء منكور ، وذلك يتناول كل جزء منه سواء كان كافيا لطهارته أو غير كاف ، فلا يجوز
التيمم مع وجوده . قيل له : الدليل على فساد هذا التأويل اتفاق الجميع على أن من فرضه
التيمم وإن استعمل الماء ، فلو كان هذا القدر من الماء مأمورا باستعماله بالآية لما لزمه
التيمم معه ، لأن الله تعالى إنما أوجب عليه التيمم عند عدم الماء الذي تصح به صلاته .
فإن قيل : فنحن لا نجيز تيممه إلا بعد عدم هذا الماء باستعماله إياه فحينئذ يتيمم .
قيل له : لو كان هذا على ما ذكرت لاستغنى عن التيمم باستعمال الماء الذي معه ، فلما
اتفقوا على أن عليه التيمم بعد استعماله ثبت أن هذا الماء ليس هو المفروض به الطهارة
ولا ما أبيح التيمم بعدمه . وأيضا لما كان وجود هذا الماء بمنزلة عدمه في باب استباحة
الصلاة به صار بمنزلة ما ليس بموجود ، فجاز له التيمم . وأيضا لما لم يجز الجمع بين
أحكام القرآن — صفحة 469
مساهمون: الجصاص
ص٤٦٩