بحكم الظاهر ، ويدل عليه قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) [ الفرقان : 48 ]
ومعناه مطهرا ، فحيثما وجد فواجب أن يكون هذا حكمه ، ولو منعنا الطهارة مع وجود
الغسل لأجل التفريق كنا قد سلبناه الصفة التي وصفه الله تعالى بها من كونه طهورا . ويدل
عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا علي بن محمد بن أبي الشوارب قال : حدثنا
مسدد قال : حدثنا أبو الأحوص قال : حدثنا محمد بن عبيد الله عن الحسين بن سعد عن
أبيه عن علي قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني اغتسلت من
الجنابة وصليت الفجر فلما أصبحت رأيت بذراعي قدر موضع الظفر لم يصبه الماء ؟ فقال
له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو مسحت عليه بيدك أجزأك " فأجاز له أن يمسح عليه بعد تراخي
الوقت ولم يأمره باستيناف الطهارة . وروى عبد الله بن عمر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما
وأعقابهم تلوح ، فقال : " ويل للأعقاب من النار ! أسبغوا الوضوء ! " ويدل عليه حديث
رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تتم صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه " .
والتفريق لا يخرجه من أن يكون وضعه مواضعه ، لأن مواضعه هذه الأعضاء المذكورة في
القرآن ، ولم يشرط فيه الموالاة وترك التفريق . ويدل عليه من وجه آخر قوله في لفظ
آخر : " حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل رجليه " ولم يذكر فيه
التتابع ، فهو على الأمرين من تفريق أو موالاة .
فإن قيل : لما كان قوله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) أمرا يقتضي الفور
وجب أن يكون مفعولا على الفور ، فإذا لم يفعل استقبل إذ لم يفعل المأمور به . قيل له :
الأمر على الفور لا يمنع صحة فعله على المهلة ، ألا ترى أن تارك الوضوء رأسا لا تفسد
طهارته إذا فعله بعد ذلك على التراخي ؟ وكذلك سائر الأوامر التي ليست موقتة فإن تركها
في وقت الأمر بها لا يفسدها إذا فعلها ولا يمنع صحتها ، وعلى أن هذا المعنى لأن يكون
دليلا على صحة قولنا أولى ، وذلك لأن غسل العضو المفعول على الفور قد صح عندنا
جميعا وتركه لغسل باقي الأعضاء ينبغي أن لا يغير حكم الأول ولا تلزمه إعادته ، لأن في
إيجاب إبطاله عن الفور وإيجاب فعله على التراخي ، فواجب أن يكون مقرا على
حكمه في صحة فعله بديا على الفور .
واحتج أيضا القائلون بذلك بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال :
" هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به " قالوا : ومعلوم أن فعله كان على وجه
المتابعة . قيل له : هذا دعوى ، ومن أين لك أنه فعله متتابعا ؟ وجائز أن يكون غسل وجهه
في وقت ثم غسل يديه بعد ساعات وكذلك سائر أعضائه ليفيد الحاضرين حكم جواز
فعله متفرقا ، وعلى أنه لو تابع لم يدل قوله ذلك على وجوب التتابع ، لأن قوله : " هذا
وضوء " إنما إشارة إلى الغسل لا إلى الزمان .
أحكام القرآن — صفحة 447
مساهمون: الجصاص
ص٤٤٧