فإن قيل : لما لم تكن الأذنان موضع فرض المسح أشبهتا داخل الفم والأنف ،
فيجدد لهما ماء جديدا كالمضمضة والاستنشاق فيكون سنة على حيالها . قيل له : هذا
غلط ، لأن القفا ليس بموضع لفرض المسح ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد مسحه مع الرأس على وجه
التبع ، فكذلك الأذنان . وأما المضمضة والاستنشاق فكانا سنة على حيالهما من قبل أن
داخل الفم والأنف ليسا من الوجه بحال فلم يكونا تابعين له فأخذ لهما ماء جديدا ،
والأذنان والقفا جميعا من الرأس وإن لم يكونا موضع الفرض فصارا تابعين له .
فإن قيل : لو كانت الأذنان من الرأس لحل بحلقهما من الإحرام ولكان حلقهما
مسنونا مع الرأس إذا أراد الإحلال من إحرامه . قيل له : لم يسن حلقهما ولا حل
بحلقهما ، لأن في العادة أن لا شعر عليهما ، وإنما الحلق مسنون في الرأس في الموضع
الذي يكون عليه الشعر في العادة ، فلما كان وجود الشعر على الأذنين شاذا نادرا أسقط
حكمهما في الحلق ولم يسقط في المسح . وأيضا فإنا قلنا إن الأذنين تابعتان للرأس على
ما بينا لا على أنهما الأصل ، ألا ترى أنا لا نجيز المسح عليهما دون الرأس ؟ فكيف يلزمنا
أن نجعلهما أصلا في الحلق ! وأما قول الحسن بن صالح في غسل باطن الأذنين ومسح
ظاهرهما فلا وجه له ، لأنه لو كان باطنهما مغسولا لكانتا من الوجه فكان يجب غسلهما ،
ولما وافقنا على أن ظاهرهما ممسوح مع الرأس دل ذلك على أنهما من الرأس ، ولأنا لم
نجد عضوا بعضه من الرأس وبعضه من الوجه . وقال أصحابنا : لو مسح ما تحت أذنيه
من الرأس لم يجزه من الفرض لأن ذلك من القفا وليس هو من مواضع فرض المسح فلا
يجزيه ، ألا ترى أنه لو كان شعره قد بلغ منكبه فمسح ذلك الموضع من شعره لم يجزه
عن مسح رأسه ؟ .
واختلف الفقهاء في تفريق الوضوء ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر
والأوزاعي والشافعي : " هو جائز " . وقال ابن أبي ليلى ومالك والليث : " إن تطاول أو
تشاغل بعمل غيره ابتدأ الوضوء من أوله " . والدليل على صحة ما قلناه قوله تعالى :
( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) الآية ، فإذا أتى بالغسل على أي وجه فعله فقد
قضى عهدة الآية ، ولو شرطنا فيه الموالاة وترك التفريق كان فيه إثبات زيادة في النص ،
والزيادة في النص توجب نسخه . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ( ما يريد الله ليجعل
عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) والحرج الضيق ، فأخبر تعالى أن المقصد حصول
الطهارة ونفي الحرج ، وفي قول مخالفينا إثبات الحرج مع وقوع الطهارة المذكورة في
الآية . ويدل عليه قوله تعالى : ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) [ الأنفال :
11 ] الآية ، فأخبر بوقوع التطهير بالماء من غير شرط الموالاة ، فحيثما وجد كان مطهرا
أحكام القرآن — صفحة 446
مساهمون: الجصاص
ص٤٤٦