يثبت عنه مسح العمامة من جهة التواتر لم يجز المسح عليها من وجهين ، أحدهما : أن
الآية تقتضي مسح الرأس ، فغير جائز العدول عنه إلا بخبر يوجب العلم . والثاني : عموم
الحاجة إليه ، فلا يقبل في مثله إلا المتواتر من الأخبار . وأيضا حديث ابن عمر عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة وقال : " هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به " ومعلوم أنه
مسح برأسه ، لأن مسح العمامة لا يسمى وضوءا ، ثم نفى جواز الصلاة إلا به . وحديث
عائشة الذي قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ومسح برأسه ثم قال : " هذا الوضوء الذي
افترض الله علينا " ، فأخبر أن مسح الرأس بالماء هو المفروض علينا فلا تجزي الصلاة إلا
به .
وإن احتجوا بما روى بلال والمغيرة بن شعبة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين
والعمامة " وما روى راشد بن سعد عن ثوبان قال : " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريه فأصابهم
البرد ، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين " . قيل
لهم : هذه أخبار مضطربة الأسانيد وفيها رجال مجهولون ، ولو استقامت أسانيدها لما
جاز الاعتراض بمثلها على الآية ، وقد بينا في حديث المغيرة بن شعبة أنه مسح على
ناصيته وعمامته ، وفي بعضها : على جانب عمامته ، وفي بعضها : وضع يده على عمامته ،
فأخبر أنه فعل المفروض في مسح الناصية ومسح على العمامة ، وذلك جائز عندنا
ويحتمل ما رواه بلال ما بين في حديث المغيرة . وأما حديث ثوبان فمحمول على معنى
حديث المغيرة أيضا بأن مسحوا على بعض الرأس وعلى العمامة . والله أعلم .
باب الوضوء مرة مرة
قال الله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم ) الآية . الذي يقتضيه ظاهر اللفظ غسلها مرة
واحدة ، إذ ليس فيها ذكر العدد فلا يوجب تكرار الفعل ، فمن غسل مرة فقد أدى
الفرض . وبه وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ، منها حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة
وقال : " هذا الوضوء الذي افترض الله علينا " . وروى ابن عباس وجابر : " أن النبي صلى الله عليه وسلم
توضأ مرة مرة " ، وقال أبو رافع : " توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثلاثا ومرة مرة " . قال أبو
بكر : فما نص الله تعالى عليه في هذه الآية هو فرض الوضوء على ما بيناه ، وفيه أشياء
مسنونة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ما حدثنا عبد الله بن الحسن قال : حدثنا أبو مسلم قال :
حدثنا أبو الوليد قال : حدثنا زائدة قال : حدثنا خالد بن علقمة عن عبد الخير قال : دخل
على الرحبة بعد ما صلى الفجر ، فجلس في الرحبة ثم قال لغلامه : ايتني بطهور ! فأتاه
الغلام بإناء وطست - قال عبد الخير : ونحن جلوس ننظر إليه - فأخذ بيده اليمنى الإناء
أحكام القرآن — صفحة 441
مساهمون: الجصاص
ص٤٤١