الشعبي عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ، فأهويت إلى خفيه لأنزعهما ، فقال :
" مه ! فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان " فمسح عليهما . وروي عن عمر بن
الخطاب قال : " إذا أدخلت قدميك الخفين وهما طاهرتان فامسح عليهما " . ومن غسل
رجليه فقد طهرتا قبل إكمال طهارة سائر الأعضاء ، كما يقال : غسل رجليه ، وكما يقال :
صلى ركعة ، وإن لم يتم صلاته . وأيضا فإن من لا يجيز ذلك فإنما يأمره بنزع الخفين ثم
لبسهما كذلك بقاؤهما في رجليه لحين المسح ، لأن استدامة اللبس بمنزلة ابتدائه .
واختلف في المسح على الجوربين ، فلم يجزه أبو حنيفة والشافعي إلا أن يكونا
مجلدين . وحكى الطحاوي عن مالك أنه لا يمسح وإن كانا مجلدين . وحكى بعض
أصحاب مالك عنه أنه لا يمسح إلا أن يكونا مجلدين كالخفين . وقال الثوري وأبو يوسف
ومحمد والحسن بن صالح : " يمسح إذا كانا ثخينين وإن لم يكونا مجلدين " . والأصل فيه
أنه قد ثبت أن مراد الآية الغسل على ما قدمنا ، فلو لم ترد الآثار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم
في المسح على الخفين لما أجزنا المسح ، فلما وردت الآثار الصحاح واحتجنا إلى
استعمالها مع الآية استعملناها معها على موافقة الآية في احتمالها للمسح وتركنا الباقي
على مقتضى الآية ومرادها ، ولما لم ترد الآثار في جواز المسح على الجوربين في وزن
ورودها في المسح على الخفين بقينا حكم الغسل على مراد الآية ولم ننقله عنه .
فإن قيل : روى المغيرة بن شعبة وأبو موسى : " أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه
ونعليه " . قيل له : يحتمل أنهما كانا مجلدين ، فلا دلالة فيه على موضع الخلاف إذ ليس
بعموم لفظ وإنما هو حكاية فعل لا نعلم حاله . وأيضا يحتمل أن يكون وضوء من لم
يحدث ، كما مسح على رجليه وقال : " هذا وضوء من لم يحدث " . ومن جهة النظر اتفاق
الجميع على امتناع جواز المسح على اللفافة ، إذ ليس في العادة المشي فيها ، كذلك
الجوربان . وأما إذا كانا مجلدين فهما بمنزلة الخفين ويمشى فيهما وبمنزلة الجرموقين ،
ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه إذا كان كله مجلدا جاز المسح ؟ ولا فرق بين أن يكون
جميعه مجلدا أو بعضه بعد أن يكون بمنزلة الخفين في المشي والتصرف .
واختلف في المسح على العمامة ، فقال أصحابنا ومالك والحسن بن صالح
والشافعي : " لا يجوز المسح على العمامة ولا على الخمار " . وقال الثوري والأوزاعي :
" يمسح على العمامة " . والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى : ( فامسحوا
برؤوسكم ) وحقيقته تقتضي إمساسه الماء ومباشرته ، وماسح العمامة غير ماسح برأسه
فلا تجزيه صلاته إذا صلى به . وأيضا فإن الآثار متواترة في مسح الرأس ، فلو كان المسح
على العمامة جائزا لورد النقل به متواترا في وزن وروده في المسح على الخفين ، فلما لم
أحكام القرآن — صفحة 440
مساهمون: الجصاص
ص٤٤٠