حل لكم ) طعام المؤمنين الذين كانوا من أهل الكتاب ، وأن المراد به اليهود والنصارى ،
كذلك قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) هو على الكتابيات دون المؤمنات .
ويحتج للقائلين بتحريمهن بقوله تعالى : ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر )
[ الممتحنة : 10 ] . قيل له : إنما ذلك في الحربية إذا خرج زوجها مسلما أو الحربي تخرج
امرأته مسلمة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا )
[ الممتحنة : 10 ] ، وأيضا فلو كان عموما لخصه قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا
الكتاب من قبلكم ) .
وقد اختلف في نكاح الكتابيات من وجه آخر ، فقال ابن عباس : " لا تحل نساء أهل
الكتاب إذا كانوا حربا " وتلا هذه الآية : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر )
إلى قوله : ( وهم صاغرون ) [ التوبة : 29 ، والنمل : 37 ] قال الحكم : حدثت بذلك
إبراهيم فأعجبه . ولم يفرق في غيره ممن ذكرنا قوله من الصحابة بين الحربيات والذميات ،
وظاهر الآية يقتضي جواز نكاح الجميع لشمول الاسم لهن . قال أبو بكر : ومما يحتج به
لقول ابن عباس قوله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله
ورسوله ) [ المجادلة : 22 ] والنكاح يوجب المودة بقوله تعالى : ( خلق لكم من أنفسكم
أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) [ الروم : 21 ] ، فينبغي أن يكون نكاح
الحربيات محظورا ، لأن قوله تعالى : ( يوادون من حاد الله ورسوله ) [ المجادلة : 22 ]
إنما يقع على أهل الحرب ، لأنهم في حد غير حدنا ، وهذا عندنا إنما يدل على الكراهة ،
وأصحابنا يكرهون مناكحات أهل الحرب من أهل الكتاب .
وقد اختلف السلف في نكاح المرأة من بني تغلب ، فروي عن علي أنه لا يجوز ،
لأنهم لم يتعلقوا من النصرانية إلا بشرب الخمر ، وهو قول إبراهيم وجابر بن زيد . وقال
ابن عباس : " لا بأس بذلك ، لأنهم لو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم " . واختلف
أيضا في نكاح الأمة الكتابية ، وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء فيه في سورة النساء . ومن تأول
قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) على الحرائر جعل الإباحة
مقصورة على نكاح الحرائر من الكتابيات ، ومن تأوله على العفة أباح نكاح الإماء
الكتابيات .
واختلف في المجوس ، فقال جل السلف وأكثر الفقهاء : " ليسوا أهل الكتاب " .
وقال آخرون : " هم أهل الكتاب " . والقائلون بذلك شواذ ، والدليل على أنهم ليسوا أهل
الكتاب قوله تعالى : ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا
أحكام القرآن — صفحة 411
مساهمون: الجصاص
ص٤١١