واختلف الفقهاء فيمن انتحل دين أهل الكتاب من العرب ، فقال أبو حنيفة وأبو
يوسف ومحمد وزفر : " من كان يهوديا أو نصرانيا من العرب والعجم فذبيحته مذكاة إذا
سمى الله عليها ، وإن سمى النصراني عليها باسم المسيح لم تؤكل ، ولا فرق بين العرب
والعجم في ذلك " . وقال مالك : " ما ذبحوه لكنائسهم أكره أكله ، وما سمي عليه باسم
المسيح لا يؤكل والعرب والعجم فيه سواء " . وقال الثوري : " إذا ذبح وأهل به لغير الله
كرهته " ، وهو قول إبراهيم . وقال الثوري : وبلغني عن عطاء أنه قال : " قد أحل الله ما
أهل به لغير الله ، لأنه قد علم أنهم سيقولون هذا القول " . وقال الأوزاعي : " إذا سمعته
يرسل كلبه باسم المسيح أكل " . وقال فيما ذبح أهل الكتابين لكنائسهم وأعيادهم : كان
مكحول لا يرى به بأسا ، ويقول : هذه كانت ذبائحهم قبل نزول القرآن ثم أحلها الله تعالى
في كتابه ، وهو قول الليث بن سعد . وقال الربيع عن الشافعي : " لا خير في ذبائح نصارى
العرب من بني تغلب " قال : " ومن دان دين أهل الكتاب قبل نزول القرآن وخالف دين
أهل الأوثان قبل نزول القرآن فهو خارج من أهل الأوثان وتقبل منه الجزية عربيا كان أو
عجميا ، ومن دخل عليه الاسلام ولم يدن بدين أهل الكتاب فلا يقبل منه إلا الاسلام أو
السيف " . قال أبو بكر : وقد روي عن جماعة من السلف القول في أهل الكتاب من
العرب ، لم يفرق أحد منهم فيه بين من دان بذلك قبل نزول القرآن أو بعده ، ولا نعلم
أحدا من السلف والخلف اعتبر فيهم ما اعتبره الشافعي في ذلك ، فهو منفرد بهذه المقالة
خارج بها عن أقاويل أهل العلم .
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : ( لا إكراه في الدين ) [ البقرة :
156 ] قال : " كانت المرأة من الأنصار لا يعيش لها ولد فتحلف لأن عاش لها ولد
لتهودنه ، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار ، فقالت الأنصار :
يا رسول الله أبناؤنا ! فأنزل الله : ( لا إكراه في الدين ) [ البقرة : 156 ] . قال سعيد : فمن
شاء لحق بهم ومن شاء دخل الاسلام ، فلم يفرق فيما ذكر بين من دان باليهودية قبل
نزول القرآن وبعده . وروى عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث : أن عاملا لعمر بن
الخطاب كتب إليه أن ناسا من السامرة يقرؤون التوراة ويسبتون السبت ولا يؤمنون
بالبعث ، فما ترى ؟ فكتب إليه عمر : " إنهم طائفة من أهل الكتاب " . وروى محمد بن
سيرين عن عبيدة قال : سألت عليا عن ذبائح نصارى العرب ، فقال : " لا تحل ذبائحهم
أحكام القرآن — صفحة 406
مساهمون: الجصاص
ص٤٠٦